عادات و تقاليدقبائل و عائلات

“الزواج القبلي” فى صعيد مصر بالحلال المر

يصف شباب صعيد مصر “الزواج القبلي” جنوب البلاد بالحلال المر، الأمر الذي يعكس حجم الإكراه الإلزامي لهذا العرف، الذي ما زال متجذراً داخل قبائل ومجتمعات الجنوب، التي يغلب عليها الطابع العرفي والقبلي. لعل الكاتب الراحل محمد صفاء عامر جسّد مرارة الزواج القبلي في المسلسل الشهير” ذئاب الجبل”، حينما رفضت شخصية وردة بدار، الطالبة الجامعية الزواج من ابن قبيلتها الأمي لتكسر قانون القبيلة في الزواج، وتهرب من الصعيد وتتزوج من المهندس حاتم، لتنال إثر ذلك ويلات الطرد والتهديد بالقتل والنبذ، مما يجسد صعوبة عادة الزواج القبلي التي يحظر الخوض والحديث عنها حتى وقتنا هذا على الرغم من ارتفاع معدلات الطلاق المبكر وأمراض التشوهات الوراثية الناجمة من هذا الموروث.

الزواج القبلي

قال الباحث في تراث صعيد مصر يوسف العربي، إن الجنوب يضم عدداً كبيراً من القبائل العربية التي قدمت من الجزيرة العربية، كالأشراف والعرب والهوارة والعبابدة والجعافرة. تعدد هذه القبائل خلق مناخاً من تنافس واعتزاز كل قبيلة بنفسها، من هنا جاء قانون الزواج القبلي، بألا يتزوج أبناء القبيلة إلا من داخلها. الأمر الذي يضمن للقبيلة الحفاظ على نسلها وعرقها الذي تتباها به، وعلى من يرفض هذا العرف الملزم أن يغادر القبيلة والقرية أو المدينة بأسرها من الذكور، بينما الإناث لا يوجد لديهن خيار سوى بين أمرين إما الزواج القبلي أو القتل.

أشار العربي أيضاً إلى أن قانون الزواج القبلي العرفي، ما زال موجوداً بقوة داخل محافظات قنا، وسوهاج، وأسيوط، والأقصر، وإن كان يندرج في خانة المسكوت عنه، رغم الآثار السلبية له في ارتفاع معدلات الطلاق خلال سنوات الزواج الأولى، علاوة عن الأمراض الناجمة من زواج الأقارب.

مخالفة الشريعة والقانون

من جانبه، قال وكيل وزارة الأوقاف بقنا محمد الطراوي، إن الأصل في الزواج التكافؤ والقبول لا الإكراه والإجبار، فلا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى، لذلك صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما قال “إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض فساد كبير”.

وأشارت نهال جمال، المحامية المتخصصة في قضايا الأسرة والطفل، إلى أن الزواج القبلي في كثير من الأحيان ينتزع شرط القبول من طرفي العقد تحت إجبار الأعراف والموروثات الثقافية، فلا توجد خيارات للزواج من خارج القبيلة، حتى وإن كان الزواج غير متكافئ، فكثيراً ما نجد خريجة جامعية مجبرة على الزواج ممن لا يحمل أي مؤهل تعليمي بالمرة لمجرد أنه من داخل القبيلة، وسرعان ما يقع الطلاق السريع في مثل هذه الحالات.

تجارب مأساوية

كثيرة هي التجارب المأساوية والمؤسفة الناجمة عن الزواج القبلي في صعيد مصر، لما يحمله من إكراه عرفي لطرفي الزواج، بخاصة خلال السنوات الماضية التي ارتفعت معدلات التعليم الجامعي بين الذكور والإناث في محافظات صعيد. ورغم أن الحديث حول الزواج القبلي من الأمور المحرمة جنوب البلاد، تمكنت “اندبندنت عربية” من توثيق بعض الروايات عبر أصحابها.

أخبرتنا إحدى ضحايا الزواج القبلي وتدعى فاطمة المحمدي، أنها فور تخرجها في كلية الطب بعد وفاة والدها وجدت عمها يسألها متى ستتزوج من ابن عمها، علماً بأن الأخير لم يتلق أي تعليم جامعي أو متوسط، كأنه آخر الرجال على الكوكب، بحسب  تعبيرها، فأخبرته أنها لا تفكر في الزواج، ولو أرادت فلن يكون ابن عمها الذي لا يكافئها في مختلف الجوانب، ففوجئت بعمها يحذرها من عواقب الزواج من خارج القبيلة، الأمر الذي يستوجب القتل والطرد.

أضافت فاطمة، أنها حرصت على مغادرة الصعيد كاملاً بشكل مفاجئ من أجل الزواج ممن ارتضته لنفسها شريكاً في الحياة لتسكن بالقاهرة. الأمر الذي تسبب في حرمانها الكامل من الميراث، لافتة إلى أنها لم تسلم بعد ذلك، بل ما زالت تتلقى تهديدات بالقتل من حين إلى آخر من أبناء عمومتها لكسرها قانون القبيلة.

وذكر محمد أبو هاشم، اسم مستعار بناء على طلبه، رضخت لضغوط عائلتي للزواج بفتاة من داخل القبيلة تربطني بها قرابة، بعد رغبتي في الزواج من زميلتي بكلية الهندسة القادمة من محافظة البحيرة، غرب دلتا مصر، إلا أن والدي هددني بكلمات واضحة بطردي من المنزل حيال كسر عادات وتقاليد القبيلة في الزواج، الأمر الذي جعلني مقيداً في الزواج باختيار أبي من إحدى فتيات القبيلة، ولكن سرعان ما وقع الطلاق في العام الأول، لعدم التفاهم بيني وبين الزوجة الإجبارية.

تجربة المهندس وائل عبد المحسن، ابن محافظة المنوفية شمال العاصمة، تختلف عن سابقتها، فحينما التحق للعمل بشركة هندسية شمال محافظة قنا، أعجب بفتاة فقرر أن يتقدم لوالدها الذي يعد أحد رموز قبيلته، إلا أن المفاجأة كانت علقة ساخنة من والد العروس وأشقائها، فكيف لك أن تتقدم إلى خطبة فتاة لا تنتمي لقبيلتها، مشيراً إلى أنه لم يعرف بتلك التقاليد المعقدة في الزواج، التي جعلته يطلب النقل إلى محافظة أخرى.

الجدير بالذكر أنه خلال يونيو (حزيران) الماضي ارتكب أب ونجلاه جريمة قتل في حق ابنته البالغة من العمر 28 عاماً، بعدما رفضت الزواج بأحد أبناء عمومتها، وتزوجت من زميل لها بمقر عملها بالقاهرة زواجاً شرعياً، مما دفع الأب والأشقاء بقتل وتمزيق جسد الفتاة الحامل، وبعد تنفيذ الجريمة سلّم الجناة أنفسهم إلى مركز شرطة أبو تشت بشمال قنا، وفقما أفادت مصادرنا الأمنية بوزارة الداخلية.

الدفاع عن الزواج القبلي

بينما يجرّم البعض الزواج القبلي يرى آخرون العكس تماماً، يقول محمد الهواري، أحد رموز قبيلة الهوارة بصعيد مصر، إن الزواج القبلي حفظ لقبائل الصعيد أنسابها من الاختلاط والاندثار، فلولاه لما بقي من تلك القبائل أي شيء، بما تحمله من موروث حضاري وتاريخي عظيم.

واستنكر الهواري من يتهم الزواج القبلي بأنه زواج غير متكافئ بين الطرفين، لأن كل قبيلة من قبائل الصعيد تضم ملايين الأشخاص الذين تتنوع مؤهلاتهم وخبراتهم وخلفياتهم وميولهم، الأمر الذي يجعل شرط التكافؤ متوفراً حيال تحري الدقة في الاختيار، مشيراً إلى أن كل ما يروج عن الزواج القبلي يراد به تشويه سمعة صعيد مصر منبع المبادئ والقيم.

واعتبر هاشم الشريف، أحد أبناء قبيلة الأشراف، أن الزواج القبلي أحد أبواب صلة الرحم لدى القبائل العربية في الصعيد، للم شمل العائلات في علاقات النسب والمصاهرة، معتبراً أن ما يروج عن الزواج القبلي استثناءات تؤكد أفضيلة القاعدة على حد وصفه، مؤكداً أن حالات قليلة هي التي تشهد فشلاً من خلال الزواج القبلي وتأتي نتيجة عدم حسن اختيار الزوج لزوجته داخل القبيلة.

ارتفاع معدلات الطلاق والهجرة 

وذكر أستاذ علم الاجتماع بجامعة طيبة محمد ضاحي، أن معدلات الطلاق في مصر باتت مزعجة ومؤرقة، فطبقاً للجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء المصري قفزت نسب الطلاق بزيادة تقدر بـ6.7 في المئة، بحسب آخر تقرير سنوي للجهاز عن العام الماضي، حيث بلغت عدد حالات الطلاق 211554، أغلبها يقع طبقاً للتقرير الرسمي بين الشباب في الفئة العمرية من 25 إلى 30 عاماً.

وأشار ضاحي إلى أن الزواج القبلي من الأسباب الرئيسة لارتفاع معدلات الطلاق بين الأزواج خلال السنوات الثلاث الأولى، كنتيجة طبيعة لعدم تكافؤ الأزواج ولفرض الزواج بسيف الأعراف والتقاليد، المخالفة للشريعة الإسلامية.

وأضاف عبد المنعم الجرجاوي، شاب من محافظة سوهاج، أن عدداً ليس بالقليل بات يعزف عن الزواج بشكل كامل كنوع من الاعتراض على عادات الزواج القبلي المحكوم عليه بالفشل المحقق، بخاصة بعد ارتفاع معدلات التعليم الجامعي في مختلف محافظات الصعيد.

وأوضح عبد الحكيم الغنيمي، شاب رافض لعادة الزواج القبلي، أنه فور تخرجه في كلية الصيدلة من جامعة أسيوط، قرر أن يهجر الصعيد بشكل كامل بعد أن اصطدم مع أسرته لرفضه الزواج من ابنة عمه، منتقلاً بعد ذلك للاستقرار والزواج في القاهرة.

أمراض مزمنة 

وأشار المتخصص في صحة الأسرة والمجتمع بيتر البهجوري إلى أن الزواج القبلي وزواج الأقارب يسفر عن أمراض مزمنة للأبناء المولودين من أب وأم متماثلين في الجينات الوراثية.

وذكر أنه من أبرز الأمراض والمشكلات الصحية المتكررة في زواج الأقارب أو الزواج القبلي؛ السكر وضعف المناعة والعيوب الخلقية وأمراض الدم والضغط.

وأوضح البهجوري نتيجة المخاطر السالفة، دولة نيبال على سبيل المثال عند الزواج يبحثون في سلسلة النسل حتى سابع جـَـدّ، فإن وجدوا جدّاً مشتركاً يمنعون الزواج حتى لا ينتجوا أطفالاً يحملون مشكلات صحية مزمنة كالتشوهات الخلقية ومختلف الأمراض المزمنة.

مخاطبة قناعة المجتمع

ورأت مقرر المجلس القومي للمرأة لفرع محافظة قنا هدى سعدي، أن تغيير المجتمعات لا يتم إلا بتغيير القناعات. مشكلة الزواج القبلي والناجم عنها من طلاق مبكر لن تعالج إلا بمخاطبة قناعة المجتمع في صعيد مصر.

وأشارت إلى أن وزارة التضامن الاجتماعي المصرية أطلقت مشروع “مودة” لتأهيل الشباب المقبل للزواج للحد من مشكلة الزواج القبلي لخلق حالة من التفاهم بين الأزواج، للحفاظ على كيان الأسرة المصرية.

وأكدت أن مشكلة الزواج القبلي لن يتم معالجتها خلال عام واحد بل تحتاج إلى 10 سنوات من العمل المتواصل عبر تعديل الخطاب الديني بالأزهر والكنيسة وحملات طرق الأبواب على أماكن إقامة القبائل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى