الدروز حكاية طائفة عربية مغلقة تحرس عقيدتها عبر القرون
تعد الطائفة الدرزية واحدة من الطوائف الدينية العربية المعروفة بتماسكها الداخلي وانغلاقها الاجتماعي، حيث تعيش تجمعاتها الأساسية في سوريا في محيط دمشق وجبل حوران، إضافة إلى وجودها في لبنان وفلسطين المحتلة، كما انتشر أبناؤها في دول عدة نتيجة الهجرة إلى أوروبا وأميركا وغرب أفريقيا، ويقدر عدد أفراد الطائفة داخل مناطق وجودها وخارجها بنحو مليون ونصف مليون شخص، وللطائفة راية خاصة تعبر عن هويتها وخصوصيتها.
قصة الدروز
تعود نشأة الطائفة الدرزية إلى القرن الحادي عشر الميلادي، في فترة حكم الخليفة الفاطمي السادس الحاكم بأمر الله، الذي امتد حكمه بين عامي 996 و1021 ميلادي، وتنسب بعض المصادر تأسيس الدعوة الدرزية إلى محمد بن إسماعيل الدرزي المعروف بأنوشتكين، الذي هاجر إلى بلاد الشام، واشتهرت الطائفة باسمه، غير أن أبناء الطائفة ينفون هذه النسبة، ويؤكدون أنهم لو انتسبوا إليه لعرفوا بالدرزيون لا الدروز، ويرى هؤلاء أن اسم الطائفة مرتبط بمفهوم درز الدماغ، أي الاعتماد على العقل والفهم العميق.
وتشير مراجع تاريخية أخرى إلى أن المؤسس الحقيقي للطائفة هو حمزة بن علي بن محمد الزوزني، الذي يعد من أبرز منظري مذهب الموحدين الدروز، والمؤلف الأساسي للنصوص الدينية التي قامت عليها العقيدة الدرزية، وبدأت الدعوة الدرزية فعليا بين عامي 1017 و1020 ميلادي، واستمرت حتى عام 1043 ميلادي، ثم أغلق باب الانضمام إلى الطائفة، ليصبح الانتماء إليها مقتصرا على من ولد درزيا، دون السماح بدخول أي شخص من خارجها.
وعرفت الطائفة عبر تاريخها عددا من الشخصيات البارزة، من بينها الحسين بن حيدرة الفرغاني المعروف بالأجدع، وبهاء الدين السموقي المعروف بالضيف، وعلى الصعيد السياسي برز سلطان باشا الأطرش قائد الثورة السورية الكبرى ضد الاحتلال الفرنسي، كما اشتهر الأمير شكيب أرسلان، والزعيم اللبناني كمال جنبلاط مؤسس الحزب التقدمي الاشتراكي، إضافة إلى ابنه وليد جنبلاط، وطلال أرسلان رئيس الحزب الديمقراطي اللبناني.
تحيط بعقيدة الطائفة الدرزية هالة كبيرة من الغموض، إذ حرص مؤسسوها على حصر معرفتها ضمن دائرة ضيقة من أبناء الطائفة، وعرف الدروز بالتكتم الشديد في شؤونهم الدينية، وتداولت روايات تقول إنهم لا يعلمون تعاليمهم إلا لمن بلغ الأربعين من العمر، رغم نفي بعض الدروز لذلك، معتبرين أن هذه الفكرة جاءت لإبعاد الفضوليين عن السؤال عن عقيدتهم.
ويعرف الدروز أنفسهم باسم الموحدين، أو بني معروف، وهو اسم قبيلة عربية اعتنقت المذهب الدرزي في بدايات، ويؤمنون بميثاق ولي الزمان، وهو عهد ديني يعد أساس الانتماء للطائفة، ويعتبرونه ميثاقا أزليا، واشتهر المجتمع الدرزي بتماسكه الاجتماعي والثقافي والسياسي، كما عرف رجال الطائفة بشواربهم الطويلة التي تحمل دلالات دينية واجتماعية.
وتقوم العقيدة الدرزية على مذهب التوحيد، وتعتمد في جذورها على الفكر الإسماعيلي، مع تأثرها بتيارات فلسفية ودينية متعددة، ويؤمن الدروز بوحدانية الله المطلقة، ويعتقدون أن العقل البشري عاجز عن إدراك حقيقة الذات الإلهية، كما يؤمنون بالقرآن الكريم، لكنهم يفسرونه تفسيرا باطنيا خاصا بهم، يختلف عن التفسير الظاهري المعروف لدى المسلمين.
وللطائفة كتاب ديني خاص يعرف باسم رسائل الحكمة، ألفه حمزة بن علي بن أحمد، ويعد تفسيرا خاصا للنصوص الدينية، ولا يسمح بالاطلاع عليه إلا لشيوخ الطائفة المعروفين بالعقال، ورغم أن العقيدة الدرزية انبثقت من الإسماعيلية، فإن الدروز لا يعرفون أنفسهم بالمسلمين، ويقول بعضهم إن إعلان الانتماء الإسلامي جاء في بعض المراحل لأسباب سياسية تتعلق بالحفاظ على السلامة وتجنب الصدام مع المحيط.
ومن أبرز المعتقدات التي تميز الطائفة الدرزية إيمانها بتناسخ الأرواح، حيث يعتقد الدروز أن الروح تنتقل مباشرة بعد الوفاة إلى جسد مولود جديد، في دورة حياة متواصلة، ويعكس هذا الاعتقاد رؤيتهم الخاصة للحياة والموت والوجود الإنساني.
ويحافظ المجتمع الدرزي على انغلاقه الاجتماعي بشكل واضح، إذ نادرا ما يتم الزواج من خارج الطائفة أو العكس، كما يمنع تعدد الزوجات لديهم، ويشدد رجال الدين على هذا المنع انطلاقا من مبدأ العدالة والإنصاف بين الرجل والمرأة، وبهذا التماسك الصارم استطاعت الطائفة الدرزية أن تحافظ على هويتها وعقيدتها عبر قرون طويلة، رغم التحولات السياسية والدينية التي شهدتها المنطقة.



