المزيد
أخر الأخبار

القضاء العرفي في سيناء

القضاء العرفي في سيناء

حاتم عبدالهادي السيد

يعد القضاء العرفي في شبه جزيرة سيناء نظامًا اجتماعيًا ، تقليديًا؛وإطارًا عدليًا متكاملًا لحل النزاعات وفق العادات والتقاليد البدوية الموروثة. ومع أن النظام القضائي المدني للدولة موجود، فإن البدو في سيناء يتجهون إلى القضاء العرفي في حياتهم اليومية لما له من سرعة تنفيذ، والتزام اجتماعي قوي، وفهم عميق للسياق القبلي والثقافي.
ومن أهم إنجازات هذا النظام هو الانتصار لحقوق المرأة البدوية وحمايتها من الاعتداءات، حفظًا لكرامتها وحرمة بيتها.
والقضاء العرفي ليس مجرد نظام فرعي، بل يعتبر دستورًا غير مكتوب لحياة البدو في سيناء. فالعرف هو ما اتفق عليه المجتمع عبر أجيال لصيانة العلاقات، وحفظ الحقوق، ومنع الانحراف الاجتماعي-كما أرى- لذا فإن القضاء العرفي يتمتع بشرعية شعبية عميقة لأنه قائم على ما اعتبره الناس “أصلًا ثابتًا” بين أفراد القبيلة لا يُرجعون فيه إلى القضاء المدني إلا في حالات استثنائية.
كذلك يوضّح راشد الأحيوي بأن المنشد، أو القاضي العرفي لا يحكم فقط وفق الأعراف الثابتة، وإنما يستطيع ابتكار أحكام تتوافق مع تغير الظروف وتطورها، مما يمنحه مرونة في حماية الحقوق الاجتماعية، وخصوصًا حقوق المرأة.

هيئة الجلسة العرفية وإجراءاتها :

تُعقد الجلسة العرفية في فضاء اجتماعي تقليدي مثل خيمة القبيلة أو “بيت الشعر”، أو في مكان متعارف عليه داخل البادية، أو في بيت القاضي؛ حيث يحضر أطراف النزاع وكفلاؤهم ومشايخ وأعيان القبيلة. ويجلس القاضي العرفي في موضعٍ بارز ليبدأ الجلسة.
وفي الجلسة، يقدم كل طرف قضيته بحضور كفلائه الذين يضمنون تنفيذ الحكم إذا ثبت الجرم، وهذا يمثل آلية ضمان اجتماعي قبل أن يكون قانونًا رسميًا. أما المنشد فيحضر ولي المرأة مع الجاني دون وجود شهود، حيث تعتبر الجلسة سرية لحساسية الموضوع، ويجلس المتهم (مبلم لا يتكلم)، وبدون أي شهود ( العرض ما عليه شهود)، وذلك لعدم إفشاء حرمة المرأة، ويظل الموضوع قيد الكتمان سترا للمرأة .

افتتاح الجلسة العرفية :

جلسة القضاء العرفي تُفتح بعبارات عرفية محلية، تلتزم بروح الضيافة والثقافة البدوية، مثل:
“آجيك هدي.. وسامع ليك قضي.. وما تنظر الحجات غير بالصلاة على النبي… آجيك يا راجل يا قاضي العرب…”
وهذه العبارة تُستخدم لإعلان بداية التقاضي، ويدل نطقها على احترام العملية القضائية العرفية عند الجميع. ثم يتلو القاضي العرفي عادةً الفاتحة أو دعاءً قصيرًا قبل الاستماع للطرفين، مما يعطي شرعية دينية وثقافية للجلسة في آنٍ واحد. ثم يُمنح كل طرف حق عرض حججه وشهاداته، كما يستمع القاضي العربان (المشايخ) والشهود، ويُطرح العقد الاجتماعي بين الكفلاء كبيان لضمان تنفيذ الحكم لاحقًا. يُعد هذا الجزء من الجلسة جوهريًا لأنه يؤسس لحكم مُبين بالدلائل التي يراها المجتمع مقبولة وفق عاداتهم، والكفلاء نوعان: كفيل دفا، وكفيل وفا، والأخير هو الضامن لتنفيذ حكم القاضي خاصة في الغرامات المالية، لذا قيل : ( الكفيل غارم) أي ملتزم بالوفاء بحكم القاضي العرفي النهائي.
والعرف القبلي في سيناء يُفرِّق بين أنواع الجرائم التي تتعلق بـالمرأة، وحرمة البيت، بحسب مدى المساس بالشرف والكرامة.

حاتم عبدالهادي السيد
رئيس رابطة المؤرخين العرب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى