تاريخ ومزارات

مدينة الحضر العراقية.. عاصمة الصحراء التي هزمت الامبراطوريات

أسماء صبحي– في قلب الصحراء شمالي العراق، وعلى بعد نحو 90 كيلومترا جنوب غرب الموصل. تقف مدينة الحضر العراقية كواحدة من اكثر المدن التاريخية غموضا وقوة في الشرق الاوسط. وهذه المدينة الحجرية، التي ازدهرت قبل نحو الفي عام، لم تكن مجرد مستوطنة عابرة. بل كانت عاصمة سياسية ودينية محصنة لعبت دورا محوريا في الصراع بين القوى الكبرى في العالم القديم.

نشأة مدينة الحضر العراقية

تاسست مدينة الحضر في القرن الاول قبل الميلاد، وبلغت اوج ازدهارها خلال القرنين الاول والثاني الميلاديين. عندما كانت مركزا لمملكة عربية مستقلة عرفت باسم مملكة الحضر. واستفادت المدينة من موقعها الاستراتيجي على طرق التجارة التي ربطت بين بلاد الرافدين والشام وشبه الجزيرة العربية. ما جعلها محطة اساسية للقوافل التجارية.

تحصينات هزمت روما

اكثر ما يميز الحضر هو نظامها الدفاعي الفريد، فقد احاطت بها اسوار ضخمة مزدوجة مدعمة بابراج دائرية، جعلت منها واحدة من اكثر مدن الصحراء تحصينا. وتشير المصادر التاريخية إلى ان المدينة نجحت في صد هجمات الامبراطور الروماني تراجان ثم سبتيموس سيفيروس، في سابقة نادرة اثارت دهشة المؤرخين، وكرست سمعة الحضر كمدينة عصية على السقوط.

عمارة تمزج بين الحضارات

تعكس عمارة الحضر تداخلا ثقافيا وحضاريا فريدا، حيث تمتزج التأثيرات اليونانية والرومانية والشرقية والعربية في تصميم المعابد والقصور. ويعد المعبد الكبير في قلب المدينة من ابرز معالمها، بواجهاته الضخمة واعمدته الشاهقة ونقوشه الدقيقة، التي تدل على تقدم معماري وفني لافت في بيئة صحراوية قاسية.

مركز ديني متعدد الآلهة

لم تكن الحضر عاصمة سياسية فحسب، بل كانت ايضا مركزا دينيا مهما. حيث عبدت فيها مجموعة متنوعة من الالهة، من بينها اله الشمس والالهة العربية المحلية، الى جانب تاثيرات دينية قادمة من حضارات مجاورة. ويعكس هذا التنوع الديني طبيعة المدينة المنفتحة ودورها كمفترق طرق ثقافي وروحي في المنطقة.

سقوط المدينة وبداية الغموض

رغم قوتها، سقطت مدينة الحضر في منتصف القرن الثالث الميلادي على يد الدولة الساسانية. لتدخل بعد ذلك مرحلة من التراجع والاندثار. وبمرور الزمن دفنتها الرمال جزئيا، وتحولت الى اطلال صامتة. نسجت حولها الاساطير الشعبية التي ربطت سقوطها بالخيانة او الغضب الالهي، ما زاد من هالتها الغامضة.

يقول الدكتور فاضل عبد الجبار، استاذ الاثار العراقية، ان مدينة الحضر تمثل نموذجا نادرا لمدينة عربية استطاعت بناء دولة قوية في قلب الصحراء. مؤكدا ان اهميتها لا تكمن فقط في تحصيناتها، بل في قدرتها على استيعاب ثقافات متعددة وصهرها في هوية معمارية وسياسية واحدة.

الحضر اليوم بين الاهمال والحماية

ادرجت مدينة الحضر على قائمة التراث العالمي لليونسكو عام 1985، باعتبارها موقعا فريدا يعكس تفاعلا حضاريا استثنائيا. الا ان المدينة تعرضت خلال العقود الاخيرة لاهمال واضرار جسيمة خاصة خلال فترات النزاع المسلح مما اثار مخاوف دولية بشأن مصيرها. وتعمل حاليا جهود محلية ودولية على ترميم الموقع وحمايته من الاندثار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى