المزيدفنون و ادبكتابنامنوعات
أخر الأخبار

الناي العاشق الحزين بين التراجيديا والرومانتيكية

الناي العاشق الحزين بين التراجيديا والرومانتيكية

كتب: حاتم عبدالهادي السيد

العالم من حولنا يتغير؛ يتغير البشر وتظل القيم معبرة عن ذات الإنسان؛ هذا ما نراه في ديوان الشاعر/ محمود رمضان – ابن مدينة الشرقية – عبر ديوانه الجميل: ” معزوفة لأقدم ناي” ولنشاهده عبر شعرية العنوان السيمولوجي يطرح علينا تساؤلاته: فأي معزوفة سيلحنها لنا عبر نايه القديم؛ وهل يريد أن يربط الماضي بالحاضر؛ فأقدم ناي هو أحدث قصيدة – الآن – لديه؛ لتندغم الأزمنة الشعرية عبر عنوان الديوان المبهج؛ فهو يعزف لنا؛ولذاته؛وللكون والعالم والحياة،وسواء خرج اللحن تراجيديا أو رومانتيكيا؛ أو فنتازيا؛ فهو عزف منفرد على وتر الذات؛ عزف جميل يجدد سيمفونية الروح؛ ويعيد رتق أحزان العمر والسنوات؛ ويجدد ايقاع الحياة من جديد . وعبر الإهداء المموسق نراه يجسد لنا فلسفته؛ ليجلي الغموض عن طبيعة الناي القديم الذي يعزف تراجيديا الذات عبر بحيرة الحب؛ والأمل؛ بعد أن شارفت الذات على الإختناق؛ فهي حياة جديدة؛ يخرج إليها بعد مرار بكاءٍ ووجعٍ ممتدٍ؛ ليجد نفسه أمام عَالَمٍ أَشَدُّ حزنًا؛ وأكثر دموعًا؛ فنراه يتلمَّس دموع من سبقوه؛ عبر معزوفة الناي القديم لمن سبقوه السير على جسر الأحزان؛ يقول :
( إلى عالم خرجت إليه ببكائي/ بهرتني ملامحه / ووددت أن أتلمسه / ما كنت أعلم / أنني أتلمس دموع الأحزان الآتية / ممن سبقوني إليه) .
وفي قصيدته ” بين الحياة والموت” نجده يمزج ذاته بوجع العالم؛ ويصف ألمه بما فيه؛ بل يصف حاله ويصرخ طاردًا الوجع ومتمسكًا بجمال الحياة؛ يقول :
( أوضه/ ف طرقه طويله/ ف مستشفى/ في مدينه كبيره/ وف صوت الليل / اللي ما لهوش/ صوت /وانا وسط الناس النايمه / على سريرها/ بين الحياه والموت/ كانت/ عيني / بتفتش في الجدران/ في وشوش / غيَّر رسم ملامحها/ القلم الشارب م الأحزان/ وف كيس المحلول/ اللي بيخلص/ نقطه ف نقطه/ فكرني بعمري اللي / بيخلص مني/ يوم ورا يوم) ..

إنها قصيدة التفاصيل؛ والصور الممتدة؛ والجملة الشعرية المتهادية كنهر ينساب عبرالبوح ؛وعبر براح قصيدة التفاصيل ؛ التي تنطلق من الحياتي واليومي إلي العالم والكون والذات والمجتمع؛ فهو يصف ذاته بغرفة العناية المركزة؛ وكأنه يعيد إلينا مشهدية “الغرفة رقم 8 ” لشاعر مصر الكبير / أمل دنقل؛ حين قال :
( كان لون الملاءات أبيض/ لون الأسرة أبيض ../ كل هذا البياض يذكرني بالكفن ).

وشاعرنا الجميل / محمود رمضان يعيد انتاجية تماثلية الصورة عبر تداعيات الإحالة لمشهدية المرض؛ وغرفة العناية المركزة ؛ وكأنه يطلعنا علي التفاصيل الصغيرة لحياة من يعيشون على سرير المرض بإنتظار الأمل ؛ حيث الارادة وقوة الإحتمال يصنعان معجزة الأقدار الممتدة للحياة؛ يقول : ( كان جلدي بيداوى/ لجل ما يقدر يستحمل /والجسم المتخشب / خلاني من الصعب/ اتحرك/ وكأني بحارب / لما بقوم / كانت أحلامي / أشبه بغريق / كان نفسه يعوم /وعزيز النوم/ وآهو يوم ورا يوم / بيعدي / وسراير جنبي / بتتغير سكانها/ كل سرير كان شايل حواديته وحكاياته / اللي بتبكي عياله/ واللي الخوف كان باصص من وش / بناته / وحالات أصعب مني كتير/ خلتني أفكر فيها / أكتر من تفكيري ف جسمي / المتخشب / وساعات / تخرج من وشي/ ضحكه بتتعجب /جوه عنيه…).

إنه يعيد انتاجية ” أدب المرض والسكون والصمت ” حيث الترقب وصور من حوله من المرضى تعكس في ذاته العزيمة على مواصلة الحياة؛ حيث تتداعى الذكريات؛ ويندغم الماضي بالحاضر بالمستقبل؛وكأن عجلة الحياة تتوقف أمام مشهديات المرض والمستشفى والأطباء؛ وهو رابض بينهم بين الحياة والموت؛ يقول : ( أنا كنت ساعتها/ بشوف/ مشهد م الماضي / شوفتني وسط صحابي /وانا لسه صغير / وما كنتش بحسب / إن العمر قصير / إن الفرح قصير / إن الحلم قصير / كانت/واخداني المشاوير/ بجري وبلعب/ واتنطط/ حتى لحظات /فكرت بإني ف يوم / ح أقدر اطير/ وادي اللي اترسب/ من مشاويري وأحلامي/ ف قعر الأيام/ أوضه/ ف طرقه طويله/ ف مستشفى/ في مدينه كبيره/ وف صوت الليل /اللي ما لهوش/ صوت/ وانا وسط الناس النايمه /على سريرها/ بين الحياه والموت) .

ولعلنا نلمح جماليات التصوير عبر بساطة اللغة الشاعرة وعمقها؛ وسرديتها؛ فكأنه يمزج القصة بالقصيدة؛ والوجع بالذكرى؛ والألم باللذة والرغبة في الحياة؛ لذا نرى شريط حياته يمر امامه وأمامنا ؛حيث يشرك القارئ في تناوله للقصيدة فنعيش معه الألم والأمل والتوق إلى الفجر الجديد للحياة؛ وهنا نراه يمزج المخيال بالواقع؛ والحقيقة بأدق التفاصيل ليجسد لنا المشهد والصورة بقوة وجمالية تنم عما يقاسيه هذا المريض على سرير الوجع ؛ لذا جاءت صوره أكثر واقعية وجمال؛ عبر سرد شاعري صادق؛ وفطرة تخش إلى الروح من أقرب طريق؛ فالصدق مع الذات أمام قسوة المشهد تعمق الصورة لديه؛ التي اكتست بتجربة شعورية وفنية غاية في السموق والصدق؛ والروعة في رسم صورة صادقة عن المرض والألم والخوف من المصير المجهول؛ ومع هذا الوجع الزاعق؛ كان يقابل كل ذلك بإبتسامة مقبلة على الحياة؛ وهو هنا يصور مشهدية الأم وهي تحاول نجدة ابنها؛ فقلبها يلهج بالدعاء؛ وكل ما فيها يتحرك بلهفة من أجل فلذة كبدها؛يقول : ( أمي كان صوت نفسها/ يشبه الناي الحزين/ زي صوت تنهيده/ عاشت على مر/السنين/ زي دمعه نشفت في العنين/ أمي كانت/رايحه جايه/في البيت الصغير/ ملايين من المشاوير/رغم المكان ضيق/ زي ساقيه بتلف على روحها/عمرها ما/ بصت لروحها/ عايشه تدي/ كنت اما بتعب/ كانت تحارب في النعاس/ قاعده جنبي/ بتداويني/ كمادات فوق رجلي/ فوق جبيني / كنت أغفل بين إيديها/ وهي صاحيه/ حسستني بإن أوضتي الضيقه/ كون كبير مليان بناس/ كنت بشرب من عنيها/ المحبه نقطه نقطه ) .

ويتنقل شاعرنا كفراشة بين أزهار حديقة الشعر؛ يلتقط المعنى الجميل العفوي الصادق؛ ويحاول أن يضفي على الشعر غلالة من الحب؛ ويموسق ما استطاع قصائده؛ لكنها تأبى إلا أن تخرج محملة بالسرد ؛ لتتحول القصيدة الغنائية العامية عنده من البوح إلى السرد للتفاصيل الصغيرة والحياتي واليومي، عبر تناثر الموسيقا على حواف الديوان واقترابها من الخفوت؛ وهي تماثل حاله – آنذاك – فلا يجب هنا سوى التحدث بصوت خافت؛ وشجن وبوح آسن متهادٍ؛ وهو ما ناسب نثرية الشعر المتهادي علي طرقات قلبه الأخضر الجميل؛ ويظهر ذلك في قصائده ” نوادر م البشر “؛ ” الحلم “؛ ” فاكهة الحكايات” وفي هذه القصيدة تعلو نبرة الخطاب الشعري وتتعالي الموسيقا والإيقاع لتندغم مع المعني المخصوص للبوح؛ وشاعرنا هنا يمزج – كما أرى – بين القصيدة التفعيلية؛ وقصيدة البوح النثرية/ الحكائية- عبر التدوير والصورة الممتدة – ليتماسا مع تجربته الواقعية؛ ومشاعره الدافئة الجميلة؛ يقول : ( لسه الأمل بيبص لي/والحلم مجدافي الصغير/والريح/ساعات بتساعد المجاديف/ الشط مليان بالصور/ واقدام البشر طايره / كما ريش الحمام / ورا/ وقدام/ آخر الطريق معروف/ بسمه ماليها الخوف/ ونظرة استسلام).

وفي قصيدته ” نفس الكاس” يعود بنا طائر الشعر المحلق وكروان الحب/ محمود رمضان إلى شعر التفعيلة؛ حيث الصورالمائزة؛والتصاوير التي تتسق مع روح الشاعرية لديه؛ يقول :
( واديني في الحياه ماشي/وياما زمان بقيت اسمع/”أدينا عايشين”/تدوس الدنيا /في الزحمه على ضلوعي/وتستحلى صور أموات/تجيني ف حلمي/وتنزل جري في دموعي/وناس قدامي وورايا/ وتوهه وحيره في خُطايا/ تميلني هموم الناس/ وأتمايل/ واميل واشرب في نفس الكاس/ مرارته لسه بتغني/ وسارقه البسمه م النني/ وكاوعه جوه حلق الناس/ وانا م الناس..).

إنها قصيدة الإنسانية الكبرى؛ وهو الباحث عن الحب واليقين؛ ينشد الأمل والنور؛ ويرسم للأحلام فراشات يلونها بروحه لتطير مع فراشات قلبه الجميلة؛ يقول عبر صوره البديعة والإنسانية الموشاة بالحب والفطرة الصادقة؛ كما يعكس بداية حياة الفرد منذ ظهوره للدنيا ؛ ووجعه الأول منذ صرخة الميلاد حتي النهاية بالموت؛ يقول عبر قصيدته التفعيلية الموسقة بتراجيديا الحزن الإنساني؛ والشجن الممتد؛ يقول : (ما نيش من شلة الغربان/ ولا اللؤم اللي في عنيه/مخبي تحت قمصاني/ نياب تعبان).

إنه يعكس صورة صادقة للمواطن المصري البسيط؛ الفلاح؛ الموظف؛ العامل؛ “المواطن الشقيان ” من أجل أطفاله البؤساء؛ وهو يسرد لنا بعمق تفاصيل المشهد اليومي لذلك المواطن الفقير الكادح. وشاعرنا يمزج بين الشعر العامي التفعيلي؛ وروح الجكاية النثرية العامية؛ فهو يقدم جماليات اللونين عبر ديوانه البديع؛ وصوره الفطرية الطازجة العذبة؛ الجديدة والمائزة؛ والبسيطة العميقة كذلك؛ يقول في قصيدته ” تقاسيم ” : ( وشوف الدنيا / يا قلبي / خادتنا لفين/ تميل الدنيا كالمركب / لكن ماشيين) .

إنها جماليات الصورة الشاعرة الساحرة عبر تنقلاته البديعة المنسابة كنهر يتدفق بهدوء؛ ودون ضجيج وصخب؛ فهي تخرج من الروح لتخش إلى دواخلنا بهدوء لترسخ بالقلب؛ لتعشش داخله.

وشاعرنا يرسم مشهديات الحياة عبر شعر كوني يخاطب الذات والواقع ويعكس تفاصيل الحياة الصغيرة بجمالها ومرارها؛ وحزنها وفرحها عبر الصورة والظلال؛ والألم والأمل كذلك .ولقد لخص لنا الشاعر الجميل / محمود رمضان فلسفته في الحياة من خلال تساؤلاته في قصيدته ” ساعة الحساب” – والتي ختم بها الديوان – عن الكون والعالم والحياة؛ والشوارع والناس، والعلاقات بين البشر وتعاملاتهم؛ كما لخص لنا عبر الأسئلة الواقع المرير للفرد ومن حوله؛ والواقع ومشكلاته؛ والذات وعلاقتها بالكون والمجتمع؛ كما عكس ذلك بواقعية وشعرية متهادية يندغم فيها النثري بالشعري؛ والكوني بالمحلي؛ والصورة بالظلال والألوان؛ يقول :
بقينا وهم /ماشي جنب وهم/رغم اختلاف الوظيفه/ واسمنا/ اتبخرت كتير/ كائنات/ قدام عنيه/ العزوه/ والفتونه/والرجوله/والشهامه/ والصحاب المخلصين/والقلوب الطيبه/ القاعده اللي فوق المصطبه) .

كما أنه يحذرنا بهدوء من مغبة الحياة وتغيراتها؛ وكأن الدنيا تقترب من النهاية؛ حيث الصباح لم يأت؛ وكسى الضباب وجه الشمس المشرقة؛ وكأنها نهاية الإنسانية؛ أو أنها بالكاد تقترب؛ ووضعنا أمام ذواتنا؛ ليقرأ كل منا ما قدمه في الحياة؛ وهي رسالة مهمة وخطاب قيمي وفلسفي وديني واجتماعي؛ يصوغه لنا عبر كلمات بسيطة عميقة؛ وعبر معانٍ انسانية تعكس حبه للمجتمع بكل أفراده؛ فلعل أذنًا تسمع؛ أو قلبًا يرق؛ أو عينًا تري جوهر الحقيقة والبرهان من جديد؛ يقول : ( الدنيا صبحت في الأواخر/ الصباح بلغ غياب/ والشمس/ طواها الضباب/ قربت ساعة الحساب/ الشوف صبح/ مصفة تراب) .

إنها رسالة شاعر؛ وحكمة فيلسوف؛ وجمال تعبير؛ مزج فيها شاعرنا المائز / محمود رمضان بين التفعيلي؛ وبين السرد الشاعر؛ أو ” حكاية الشعر ” من خلال موسيقا الحزن والشجن المتهاديتان عبر سفينة الحياة؛ وعبر ناي الحزن الذي يعزف تراجيديا الواقع عبر كوميديا الحياة الفنتازية التي يحياها ؛ أو أنه يتلهى بالشعر من أجل اللحاق بجوهر الحب والحياة ؛ فنراه يهرب من عالمه إلى عالم جديد ينشده؛ تسطع فيه شمس الإنسانية من جديد؛ على الكون والعالم والحياة .

يظل / محمود رمضان شمعة تنير الدرب للآخرين؛ وتتلوى مع الصورة والظلال؛ وظلام الحياة؛وتحاول رسم طريق جديد للحب والأمل؛ تعلوه القيم الإنسانية السامقة؛ ليعود الناي يعزف من جديد أسطورة الإنسان السعيد في المدينة الفاضلة المبتغاة.

وفي النهاية :
يظل الشاعر المغرد الجميل / محمود رمضان يغزل من صوف روحه رداء الحب؛ وينادي عبر براري العالم وصحراوته، عَلَّ أذنًا تسمع؛ أو قلبًا يدق للحب والحياة من جديد .

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى