فنون و ادب

رقصات الجنوب الجزائري بين الفخر والروحانية والرمز القبلي

دعاء رحيل

تعد الرقصات التقليدية في الجزائر جزءاً أساسياً من الثقافة الشعبية، وخصوصاً في المناطق الجنوبية التي ما زالت تحافظ على الطابع الأصيل لهذه الفنون، وتعبر هذه الرقصات عن القيم القبلية والروح الوطنية والتقاليد الاجتماعية المتوارثة، حيث يظهر فيها الرجل والمرأة في صورة متكاملة تعكس الهوية والترابط بين الأجيال.

ما هي رقصات الجنوب الجزائري

في جنوب الجزائر، وتحديداً في محافظة أدرار، تنتشر رقصة تقليدية يختص بها الرجال، وتعد واحدة من أبرز مظاهر التراث الشعبي، حيث تؤدى هذه الرقصة داخل دائرة محكمة، يرتدي فيها المشاركون زياً موحداً تتوسطه فرقة من العازفين، وتحمل هذه الرقصة دلالات وطنية قوية، إذ ارتبطت تاريخياً بالمقاومة الجزائرية ضد الاستعمار الفرنسي، واستمرت رمزاً للكرامة والعزة في المناسبات الاجتماعية والوطنية.

تختلف ملامح لباس الفرقة من منطقة لأخرى، لكن القاسم المشترك يتمثل في العباءة المطرزة والشاش الذي يلف على الرأس، بينما يحمل كل راقص مكحلة، وهي بندقية تقليدية ترمز إلى الشجاعة، ويضم صف الراقصين عادة أكثر من ثلاثين شخصاً، يرددون مقاطع روحية تتضمن ابتهالات دينية ومدائح في مدح النبي محمد، مما يمنح الرقصة بُعداً روحانياً إضافياً.

وترافق هذه الرقصة ثلاث آلات رئيسية، أولها آلة القلال، وهي طبلة مصنوعة من الجلد والطين تضرب باليد، والثانية آلة الرباع، وهي طبل متوسط الحجم، والثالثة آلة التبقاى، وهي أصغر حجماً وتستخدم لخلق توازن إيقاعي، أما الآلات الثانوية فتشمل المزمار المصنوع من الجلد، والقرقابو المعدني، مما يُضفي على الرقصة طابعاً احتفالياً حيوياً يعكس تنوع الفنون الإيقاعية في الجنوب.

رقصة النايلي بين الرقة والكرامة

رقصة النايلي تقدم غالباً في الأعراس وسط الحضور، ويبدأ الرجل بإيماءة يدعو فيها المرأة لمشاركته، فتتقدم بثقة، رافعة يديها إلى الأعلى، مثبتة رأسها فوق مستوى الكتفين، في دلالة على عزة النفس، وتتحاشى النظر إلى شريكها احتراماً وتواضعاً، وقد تُغطي نصف وجهها، بينما تتحرك بهدوء، مكتفية بحركات رقيقة في اليدين والكتفين.

ترتدي المرأة النايلية زياً أبيض خفيفاً، وتؤدي خطواتها بانسيابية، ما يمنح الرقص انطباعاً أنها تطفو فوق الأرض، ويعتمد التواصل بينها وبين الرجل على الإيماءات، حيث يرد الرجل بحركات تماثل الفروسية، فيضرب الأرض برجليه، ويحمل البندقية أو البارودة كتعبير عن فخره بمكانته القتالية، لتبدو الرقصة وكأنها حوار بين الأنوثة والقوة.

الرحابة.. رقصة الترحيب والهيبة

كلمة الرحابة في اللهجة الجزائرية تعني الترحيب بالضيف، وتجسد هذه الرقصة هذا المعنى حرفياً من خلال تشكيل صفين متقابلين من الرجال، يضم كل صف أربعة أشخاص، يضع كل واحد منهم يده في يد جاره، وتلتصق الأكتاف، ويقف في منتصف الدائرة رجلان، يحمل أحدهما دفاً والآخر قصبة.

يرتدي المشاركون لباساً موحداً يتكون من ثوب أبيض، وبرانيس سوداء أو بيضاء، ويغطون رؤوسهم بالشاش، وما إن يبدأ الغناء حتى يشرع الرجلان في العزف والنفخ، باستخدام مفردات متنوعة باللغة العربية أو الأمازيغية، وتتماشى معها حركات دقيقة ومتناسقة من الصفين نحو الأمام والخلف.

وتمنح هذه الحركات المتكررة المشاهد انطباعاً بأن الصف الأول يدفع الثاني، لكن الحقيقة أن أفراد الصفين لا يتلامسون، ويشكلون عرضاً فنياً متناغماً يجمع بين الجدية والاحتفال، وبين الكلمة والإيقاع، ويعكس التقاليد المتوارثة في الكرم والضيافة.

الرقص التقليدي في الجزائر لا يقتصر على كونه أداء فنياً، بل يتجاوز ذلك ليعبر عن القيم والأصول والتاريخ، حيث تظهر كل رقصة كبصمة ثقافية تمثل منطقة معينة، وتجسد ملامح الشعب من خلال مزيج من الحركات والإيقاعات والملابس والموسيقى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى