عادات و تقاليد

أرض الغزلان والنخيل.. طقوس الأفراح الشعبية في واحة سيوة

حاتم عبدالهادى السيد

 

لقد أتيح لى العيش في ” واحة سيوة ” لردح من الزمن هناك ، حيث عايشت المكان ،وشاهدت ودخلت البيت السيوى الفريد ،الذى يشتهر به أهل الواحة في سيوة ، وحضرت مناسبات عديدة للزواج ،وتعرفت الى الحياة في الواحة عن طريق المعايشة، وكان حظى وافراً بتعرفى الى العديد من الأهالى : أبو عكوش”، من كبار أهل سيوة، وبعض الرجال والشباب هناك.

طقوس الأفراح و الزواج :

تبدأ طقوس الفرح السيوى بأن يتم اعلان الخطوبة بعد زيارة والدة العريس لأهل العروس، واذا تمت الموافقة يأتى الرجال بالهدايا، وقراءة الفاتحة، ثم يتم تحديد موعد ليلة الزفاف باعطاء مهلة للعروس لكى تجهز حاجياتها ،وتخيط ثوبها المزركش بيديها، وهو ثوب يصنع من القماش الزاهى المطرز بأشكال بيئية ،تنم عن موتيفات الواحة الصحراوية الجميلة،له أكمام طويلة للغاية ومزركشة . أما فستان زفاف العروس السيوية له طابع خاص، فهو أبيض مطرز بصدف البحر ،وقواقع وأزرار، وحرير، ويسمى «ناشراه» ،وهناك فستان آخر يطلق عليه «أشراح»، ترتديه العروس فى اليوم السابع من الدخلة ،خلال زيارة والدتها وأخواتها وأقاربها وجيرانها لها، وهو فستان أسود مطرز اللون الأسود له مغزى معين بالطبع أن الفتاة أصبحت امرأة ،أكثر وقاراً وحشمة، ولتتميز عن الفتاة البكر. وفى السابق كان الفرح يقام لمدة أسبوع فى الخيام والشوادر السيوية حول المنزل، حيث الولائم والمعزيم وأصدقاء العروس وأقاربها يجهزن لليلة الحنة وتجهيز منزل العروس وفرشه ونقل ملابسها اليه ، ثم يبدأن في عمل الحنة البلدى ويتم تزيين العروس بالأساور العريضة والخواتم وأشهرها عقد ” الصالحات ” ،وهو يتكون من ستة قطع على شكل هلالى ،أما الحليتان المشهورتان فهما : ” الأغرو” وهو قرط فضى ، و” التعليق ” وهو قرط يتدلى على جانبى الرأس ، كما يضفرن شعورهن بشكل بديع لم أر مثيلاً له في الحسن ،كما تتحنى شقيقاتها وصويحباتها وأقاربها من الحاضرين معها ،وفى يوم الحنة تذهب الفتيات مع العروس إلى عين العرايس لغسل قدمها ووجهها، وبعدها يذهب العريس مع أصدقائه ليلاً للاستحمام فى ذات العين، ويوم الزفاف تتوجه العروس مع أهلها إلى بيت العريس، وبعد الفجر يحملها خالها من ظهرها حتى يدخل بها إلى باب الغرفة ،ويضعها على فراشها ببيت زوجها، ويهديها والدها ووالدتها الهدايا من الذهب والمبالغ المالية فى أول زيارة لها عقب يوم الدخلة تعبيراً عن فرحتهم بزواجها.

أما الآن فقد اختلفت العادات قليلاً حيث تذهب الفتيات ليلة الزفاف ومعهن العروس الى عين ” طموس ” – عين العرايس – ومعها صويحباتها وأهلها من النسوة وتقوم بخلع حزامها واعطائه لخالتها ، أو لاحداهن ،ثم تبدأ في غسل يديها ورجليها وشعرها ،ثم في طريق العودة يرددن الأغانى ،فتقابلهن أقارب العريس اللاتى ينتظرنهن ، وينضممن الى الموكب ويذهبن معهن الى بيت العروس ، وفى المساء يذهب العريس الى بيت عروسه، فيقابل بالأغانى الشجية وتبدأ الرقصات والموسيقى في العزف ، ثم يأخذها الى منزله، ثم تذبح وليمة العرس وتسمى ” الزقاة “.

وتلبس العروس ليلة الزفاق ثمانى فساتين فوق بعضها أولها فستان أبيض شفاق ويكون ملاصقاً لجسدها،ثم فوقه الأحمر الشفاف ، فالثوب الأسود،ثم يليه الصفر، فالأزرق، ثم الحرير الوردى، فالحرير الأخضر، ثم على الواجهة فستان مطرز غال مصنوع خصيصاً للعرس، كما تلبس على رأسها شالاً من الحرير الأخضر .

ولعل ذاكرة الفلكلور الشعبى السيوى تؤكد أن الفرح السيوى أوله زغاريد وآخره لبس السواد من الثياب وهى عادة مرتبطة بعادات وتقاليد أهل سيوة منذ القدم ،وقبل الزفاف تذهب العروس للاستحمام في ” عين العرايس” ،وهى عبارة عن بئر كبيرة عظيمة الاتساع يصل قطرها الى حوالى عشرة أمتار،بعمق ثلاثين متراً ، وتغطس العروس مع البنات من أقاربها وأصدقائها بعد صلاة العصر، قبل الغروب بساعة تقريباً ،والسيويات ماهرات في السباحة والغطس، ثم تخرج وتتنشف وتذهب الى المنزل لتتزيين ” بالشنّاف/ التعليق ” وهو حلية معدنية كبيرة تضعها لتجمّل الأنف، الى جانب لبسها للقلائد المصنوعة من العاج ،والألباستر،والفضة ،أو الحديد ذا النقوش البديعة، وتلبس بعد ذلك الثوب المطرز الزاهى بكل ألوان الطيف، وعليه نقوش ورسومات أشجار وحيوانات ومياه وخضرة ،لتصبح حياتها رغيدة ، فاذا ما اكتملت زينتها تجلس في بيتها في انتظار العريس .

وفى منزل العريس، تدق الطبول على اختلاف أشكالها ومسمياتها : الطبلة السيوية ” الطوبيل ” ، المقرونة، الى جانب المزامير المصنوعة من الغاب وأشهرها : ” الستاوية” و” الخمساوية ” ، والشبابة ، وكلها لها مسميات أمازيغية ،الى جانب الدف المعروف بالطار ،وتعلو في الصباح أصوات المزامير، والانشاد والغناء ،وتقام الولائم ،وتذبح الذبائح ،ويتم تقديم الطعام للمدعوين ، ويذهب العريس لاحضار عروسه في موكب محاط بسعف النخيل ( قديماً ) ويقتادها على هودج، أو على فرس،أو سيراً على الأقدام ،دون أن يصطحبها أحد من أهلها ، فاذا وصلت منزل العريس تدخل الى منزله لتجد في استقبالها أخوات العروس ووالدته، وبنات عمومته والجيران ،فيزغردن لها، ويغنين . وفى الخارج تبدأ طقوس الفرح والغناء، ويغنون ( بالأمازيغية ) ،وهى اللهجة المتوارثة عن سكان ليبيا ،قبل وجود الحدود مع مصر، اذ تنتسب بعض القبائل الى القبائل الأمازيغية الليبية، والى سكان الفيوم ومطروح والساحل الشمالى أيضاً، ويبدأ الغناء ، قائلين :

امّامى تنمانى انّو هنّامى البال انّو           ايشالى نمّا يلحبسى ويّا لغلنّس يسجلسى

فيرد عليه الآخر في سجال شعرى بهيج، ومعنى البيتين : لقد شاهدت فتاة حلوة ، ومعنى :” امّامى ” أى أمامى ، ” تنمانى انّو ” أى فتاة أو امرأة أو زوجة جميلة ، ” هنّامى ” أى ستهنينى ، ” البال ” أى ستهنى بالى بطلعتها البهيّة، وايشالى : أى تلبس شالاً من الصوف ، أو الحرير، “نمّا يلحبسى”: أى أبهرنى شكل الشال الجميل ،كناية عن روعة جمالها، وكلمة : ” ويا الغلنس ” أى ساعة الغلس في الصباح رأيتها فانشرح بالى،ويبدأ الرجال فى الرد بالشعر الجميل الرائع، وتقام الدبكة السيوية بالدّق على الأرض بالأقدام، وهى للرجال، ولا تشارك النسوة مطلقاً في طقوس الرجال.

ويرقص الرجال رقصة ” الزجالة ” ،فهم يتحركون في دائرة جماعية ويرقصون وقد يرقصها فرد وتسمى الزقالة بالفردى، وهى عبارة عن تحلق الرجال – الجماعى – وجلوسهم في دائرة كبيرة ويكونون مربعين القدمين ويبدأون في الغناء والتصفيق بطريقة نتظمة ، يبدأون في هدوء ثم تتعالى أصواتهم بالغناء ويندمجون في الانتشاء، ويقف رجل وسط الدائرة ليرقص رقصة البورمية الفردية بالرقص تتبعاً حركة الحوض ، والقفز بحركات ممتعة .

وتدور فناجين القهوة وأقداح الشاى بالنعناع، كما يتم تقديم ” الشّاهى” أى الشاى الأخضر المنعش، ويتم بعد ذلك تقديم العشاء وينقضى الفرح .

واذا انقضى الليل دخل العروس الى زوجته ، ويكون العشاء من ( جمّار النّخل ) أى قلب النخيل لأنه يقوى لديه الطاقة الجسدية ، ثم يدخل على عروسه ، وعند الصباح يقتادها راجعة الى بيت أهلها مرة أخرى ،لتبدأ عندهم طقوس الفرح بالطبول والزغاريد والغناء، لمدة أسبوع أو أكثر ، ثم يذهب ليعيدها الى منزله ، وقد كانت العادات في عودتها تمتد الى شهر أو أربعين يوماً ، وحينها تقدم لها الأم النصائح في معاملة الزوج، وارضاءه ، وفى معاملة أهل الزوج وأقاربه ،فاذا ا عادت الى بيت زوجها من جديد ، يتم وقتها ذبح الذبائح، واقامة وليمة كبيرة لأهل العروس والعريس معاً ،والأقارب والجيران وأهل البلدة جميعهم ، وتمتد الأفراح ( قديماً ) الى أريعين يوماً ، تدّق فيها الطبول ، وتسمع أصوات الزغاريد، ويتبارى المغنون بالشعر الأمازيغى الجميل

المنزل السيوى :

ولعل المنزل السيوى هو أساس وجود التراث الشعبى ، أو هو الأثر الباقى من عادات وتقاليد وشكل الحياة هناك وهو مكون من طابقين،مصنوع من الطين اللبن المخلوط “بالدريس” والأشجار الجافة و”التّبن “،والطابق الأول يسكنه أهل المنزل ،بينما الطابق الأعلى به الطيور ( قديماً ) وان تغير الوضع الآن، فالدواب والطيور في الطابق الأرضى، وأهل المنزل في الطابق الثانى الذى يصعدون اليه بسلم خشبى متين مصنوع من جذوع الأشجار، أو من الخشب القديم لمزلقان السكة الحديد ، أو الذين يجلبونه من مطروح أو من ليبيا على ظهور الحمير، حيث يقطع السيوى مسافة 100كم على الحصان أو الحمار ،ليدخل الى ليبيا لزيارة الأقارب والأصدقاءهناك ،والتزود بالمؤن ، ولكن كان ذلك قبل ترسيم الحدود بين مصر وليبيا.

المرأة السيوية :

المرأة السيوية عصب الحياة هناك، تقوم برعاية المنزل والطيور والدواب ، وتجهيز الطعام والمسكن للزوج الذى يذهب الى الزراعة، وغالبا تكون بعض الخضروات الى جانب زراعة النخيل ،ونخل التمر على وجه الخصوص، حيث تشتهر سيوة بأنواع جيدة وكثيرة من التمور ، وتصنع المرأة السيوية طعامها وحلواها من التمور، فيتم تصنيع ” العجوة” و ” الشقيق” و” الرّب الأسود” أى العسل الأسود ،من التمور الغنية بالفيتامينات ، كما يتم تصنيع البلح وتفريغه من النّوى ،ووضع اللّوز والمكسرات داخله، وهى تجارة رائجة ” للمرأة البدوية السيوية الأمازيغية المصرية” ، وليست للرجل ، كما يصنعن المراجين والأوانى الفخارية واوانى الطعام من الخوص الى جانب أعمال الحياكة وصنع الملابس الجميلة ،كما تظل الفتاة المقبلة على الزواج في صنع ثوب العروس لمدة ستة أشهر أو عام أو أكثر، وغالباً تصنعه الفتاة بنفسها قبل الزواج استعداداً لمقدم العريس، أو عندما تبلغ في سن العاشرة، حيث البيئة الحارة تجعل الفتيات يبلغن في الثانية عشرة أو أقل .

ولقد عشت في واحة سيوة ، و – عبر مشاهداتى – وجدت أن النساء يتبرقعن بالبرقع الزاهى الموشى بالعملات المصرية والليبية القديمة ،الى جانب عملات فضية وذهبية كذلك للموثرين منهن ، وتلبس المتزوجة الثياب السوادء، والملاءة اللّف السوداء، والبيضاء، بينما تلبس الفتيات الملابس الزاهية ” دليل عذريتها” وللتفريق بينها وبين المرأة المتزوجة ، كما تلبس ملابساً شيفونية” شفافة ” لا تظهر جسدها ، وانما تخايله اذا الشمس سطعت على أرجائه ، وكن يذهبن لرعى الأغنام والماعز ،ويغنين بصوت رعوى رخيم ، وبلهجة أمازيغية لم نكن نعرف أى حرف لنترجمها، ولكننى كنت اسأل فيجيبنى الرجال بابتسامة، ويصمتون ،وهم يتكلمون معنا باللهجة المصرية الدارجة، فاذا تكلموا مع بعضهم فالأمازيغية هى اللهجة المعتمدة لديهم ،ولربما لأنهم حريصين من الغرباء ، ومغلقين أسرارهم على أنفسهم .

الموالد في سيوة :

التدين عند أهل سيوة هو السمة الغالبة ،رغم وجود مسجد وحيد في الواحة آنذاك عام 1987 ،ولقد تم بناء بعض المساجد الآن ، ورغم قلة الامكانات والفقر الذى يعيشه المواطن في سيوة ،الا أن الواحة اكتسبت شهرة عالمية في مجال السياحة ،وذلك نظراً لوجود الحمامات الكبريتية والهجر” عيون الماء”، وحيث الاستشفاء برمال سيوة ،وطقسها الحار الذى يصل الى أربعين وخمسين درجة مئوية في الصيف ، وتعدّ سيوة جغرافياً منخفضة عن سطح البحر المتوسط في مطروح بحوالى 45كيلو متر ، هبوطاً، مما يجعل طقسها أشدّ حرارة ، وكنت أستقل الهوائى في سلاح الاشارة لأنام في الليل على بعد ثلاثين متراً من سطح الأرض ،كى أنعم بلفحة هواء، أو نسمة تأتى من البحر المتوسط البعيد في مرسى مطروح ، لكن هيتا لنا ،والقيظ والهجيرهما سمت المكان الذى انعكس على وجوه السكان هناك، كما يحتفلون عندما يذهب أحدهم الى الحج أو العمرة فتذبح الذبائح وتدق الطبول ويتم توزيع القرفة والشاى الأخضر بالزنجبيل .

وتعد ( الموالد ) في سيوة أحد المظاهر التى يهتم بها السيويون ،كالاحتفال بالمولد النبوى الشريف باعداد سامر ليلى يتم فيه الانشاد الدينى البديع، وقراءة وتلاوة آيات من القرآن الكريم وتوزيع التمور والعجوة المخلوطة بالعسل في أطباق والمضاف اليها السمسم والمكسرات ، أو تقديم العسل الأسود في “جبنة” وهى تشبه الفنجان، وأقل منه في الحجم،وهى معروفة عند أهل مطروح ” شاى الجبنة”،أو القهوة الأمازيغية المخلوطة بالحبهان،ويضاف لها السمسم والمكسرات بقلة،أو بدون ذلك، كما يقومون بذبح الذبائح وتوزيعها على الفقراء في (مولد النبى صلى الله عليه وسلم )، أو عند زيارة أحد الأضرحة والمقابر، وأولياء الله الصالحين، وهم يتبركون بالمشايخ والقبور ،وبالأولياء الصالحين ،ومقامات العارفين والأتقياء .

كما تكثر الولائم والعزومات، و( موائد الرحمن في رمضان)، ولكنها تقام بشكل آخر ،حيث تقام في الدواوين، أو في ” المضيفة الكبيرة ” لأحد الوجهاء ،وفيها يأتى الأهالى من الرجال ليتشاركوا في تقديم الوجبات ،والكل يقدّم ما تجود به النفس، ويأكلون حلوى رمضان المصنوعة من التمور ،ومن العجين الزلابية ” الزلابيّات”، كما يشربون اللبن الرايب، وعصير العسل الأسود المصنوع من تمر النخيل ،بدون أن يتخمّر كى لا يكون مسكراً ، ويتسامرون بالليل في الحكايات،،وقراءة القرآن الكريم، وسماع حكايات السير والملاحم الشعبية كسيرة :”الزير سالم”، و” أبوزيد الهلالى سلامة” ،وحكايات الغولة ،وقبل السحور تتعالى ابتهالات المنشدين ،وربما كان السحور جماعياً، اذا طال السهر، كما يشربون “الدّخان العربى” والجوزة ، ولم أر أحدهم يتعاطى المواد المخدرة ،فهم محافظون، ومتدينون للغاية، وطيبون ، لكنهم يتوجسون من الغرباء الذين يقابلونهم أول مرة . كما تكثر بواحة سيوة الأراضى المتحركة ، والكثبان الرملية التى قد تبتلغ الشخص الغير عارف بالطرق الجبلية ، وكنا نتحاشى السير في الصحراء الغربية بمفردنا دون دليل من الأهالى،أو من الضباط المسلحين بخرائط عسكرية ،عن جغرافيا المكان وطرقه وتعراجته وسهوله ووديانه وجباله، كما تكثرفى واحة سيوة الغزلان، والثعالب،والذئاب،والصقور،والطيور الصحراوية المهاجرة من أوروبا كالكراكى، وطائرالسّمان ، وقد انقرض وجود النمور منذ أزمان ممتدة.

احتفال خاص لأهالى سيوة على سفح الجبل :

يحتفل أهل سيوة بالعديد من المناسبات : ليلة ميلاد طفل، احتفالات الأسبوع،الطهور، زيارة الحرم الشريف، وفى الليالى القمرية عند جبل الدكروريجتمع الأهالى على سفح الجبل احتفالاً بعيد السلام ، حيث يأتى شيوخ القبائل ويتحدثون عن الغزوات والأحداث الكبرى التى وقعت للقدماء والمغازى وسير الأبطال والعظماء ، ويرون قصص التصالح بين أهل سيوة الشرقيين والذين يسكنون في الغرب ، وتم الصلح بعد المصاهرة بين الجانبين ، كما يرون أشهر قصص المصالحات تمهيداً لعقد صلح بين القبائل المتخاصمة في نفس العام ، وبعد ذلك ويحمل كل شيخ قبيلة فوق رأسه طعاماً يقدمه للجميع فقراء وأغنياء، ولا يأكل أحد الا بعدما تأتى الاشارة من شخص يجلس في أعلى مكان بالجبل، ويسمى ” القدوة “، فيأكلون . وهو احتفال سنوى يحرص أهالى سيوة على عقده كل عام ، وبعد الأكل تبدأ الاحتفالات والأغانى ،فاذا ما انتهوا يقوم الكبار بعقد مجالس للصلح بين المتخاصمين، ثم اذا انتهوا من الصلح ،غنى الجميع لانهاء الخلافات التى وقعت طوال العام .

وفى النهاية : لعل فيلم ” واحة الغروب ” للروائى المصرى الكبير بهاء طاهر، والمخرجة كاملة ابو ذكرى يلقى الضوء جلياً على أفراح سيوة ، ففى بداية اليوم يزف النساء والفتيات العروس إلى العين التى تغتسل فيها وحدها، ولا تكف النساء عن الغناء طوال هذا الوقت، ثم يعدن بها إلى منزلها ويقمن بتزيينها وجعلها ترتدى زى العروس التقليدى الخاص بالواحة، ولا يتوقفن عن الرقص والغناء طوال الليلة، حتى يأتى وكيل العروس، وفى هذه الحالة هو الشيخ يحيى “أحمد كمال” عمها ووالد الزوج، ليأخذها من بيت أهلها محمولةً على ظهر شقيقها، ولا تطأ قدماها الأرض حتى تصل إلى فراش زواجها.

العريس يذهب مع الرجال إلى العين فى المساء ليغتسل وحده أيضاً، ثم ينتقل إلى حفل الزفاف الخاص بالرجال والذى لا يتوقفون فيه أيضاً عن الرقص والغناء، وبعد أن يدرك وصول العروس إلى بيتها الجديد يذهب إلى هناك بصحبة الرجال الذين يشاكسونه بمحاولة منعه من دخول البيت حتى يثبت جدارته بالحصول على زوجته ببعض القوة، ليدخل المنزل ويجدها فى انتظاره.

انها حياة الصحراء،أفراح وأهوال، وسمر وغناء ، وسلام بين القبائل في عيد السلام السنوى الرائع ، وحكايات، وشعر وصلاة، وعبور الى الفطرة الانسانية للانسان الذى يشبه كتب التاريخ ،في شكل ملابسه، وللمرأة البدوية بثيابها الفريدة المزركشة. وحيث الصحراء الممتدة وعيون الماء والآبار نشاهد الواحة من بعيد طقساً لحياة جميلة ، وأهوالاَ لكثبان رملية تبتلع الغرباء ،كما ابتلعت من قبل جيوش الغزاة الطامعين .

انها سيوة أرض النخيل ، والغزلان ، أرض العلاج والاستشفاء على شواطئ رمال الصحراء القائظة بالهجير ، بالنار والنور والضحكات البريئة من شفاه الأطفال الحالمين .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى