تاريخ ومزارات

دير الحبيس.. عزلة الروح على تخوم القدس وذاكرة حجر لا تموت

إلى الغرب من قرية عين كارم المهجرة جنوب غرب مدينة القدس المحتلة، يمتد موقع ديني أثري شديد الخصوصية، حيث تقع عين ماء ودير عرفا باسم عين ودير الحبيس، وهو من أبرز المعالم الدينية التي ارتبط تاريخها بالوجود المسيحي في القدس منذ العصر البيزنطي، وظل شاهدا على تحولات المكان والزمان وما مر به من أحداث قاسية ومفصلية.

تاريخ دير الحبيس

يحمل اسم الحبيس دلالة روحية عميقة، إذ يعبر عن الانزواء والتأمل وحبس النفس على العبادة، وهو ما انسجم مع طبيعة الحياة التي اختارها الرهبان الأوائل الذين أقاموا في هذا الموقع، حيث عاشوا في عزلة تامة وتفرغوا للنسك والتعبد بعيدا عن صخب المدن والتجمعات السكانية.

تعود جذور الموقع إلى الحقبة البيزنطية، حين أقام المسيحيون مصلى صغيرا قرب نبع الماء، مستفيدين من قدسية المكان وهدوئه، ثم جاءت مرحلة الفرنجة الذين شيدوا ديرا في الموقع ذاته، ولا تزال بقايا هذا الدير ماثلة حتى اليوم، تحكي فصولا من تاريخ طويل تعاقبت عليه الحضارات والسلطات.

شيد الدير القائم حاليا عام 1921، ليواصل أداء دوره الديني والروحي، غير أن مساره لم يسلم من العنف السياسي، ففي حرب عام 1948 سيطرت قوات الهاغاناه عليه، وحولته إلى ثكنة عسكرية، ما أجبر الرهبان على مغادرته واللجوء إلى قرية عين كارم القريبة، لتبدأ مرحلة جديدة من الغياب القسري عن المكان.

تحيط بالدير أسوار حجرية متينة، تتوسطها بوابة رئيسية من الجهة الشرقية، وفي داخله تتجاور العين والمغارة مع كنيسة وحدائق وبساتين، إضافة إلى ضريح ينسب إلى أليصابات والدة يوحنا المعمدان، حيث يعتقد أنها اعتزلت في المغارة المجاورة لنبع الماء وتعبدت فيها قبل أن تحمل وتلد ابنها، ثم واصل يوحنا المعمدان التعبد في الموقع نفسه، ما أضفى على المكان قدسية مضاعفة في الوعي المسيحي.

يشرف الدير بموقعه المرتفع على بيوت قرية صطاف المهجرة وبساتينها، كما يطل على وادي الصرار الذي يفصل بينهما، ليجمع المشهد بين الجغرافيا والتاريخ والذاكرة، ويختصر قصة مكان حمل روح العبادة وعانى ويلات التهجير والاحتلال، وبقي رغم ذلك حاضرا كأحد الشواهد الصامتة على عمق القدس الديني وتعدد روافدها الحضارية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى