من سكن الأرض قبل آدم؟.. أسرار حرب “الحن والبن” بين الإنس والجن

أميرة جادو
قد يظن الكثير من الأشخاص أن البشر هم أول من وطأت أقدامهم الأرض وعمروها منذ بدايتها، غير أن الوقائع التاريخية المستندة إلى نصوص دينية تشير إلى صورة مغايرة تمامًا لما هو شائع.
ويبرز هنا التساؤل الجوهري: هل كان سيدنا آدم عليه السلام هو أول من نزل إلى الأرض؟ أم سبقته الجن؟ أم أن الأرض شهدت وجود مخلوقات أخرى لا تنتمي لا إلى الإنس ولا إلى الجن؟
الحن والبن
يعتبر كتاب طالبداية والنهاية” للإمام ابن كثير الدمشقي من أبرز المراجع التاريخية التي تناولت أخبار الأمم الأولى، لما احتواه من روايات وإسرائيليات، مدعومة بأحاديث صحيحة عن النبي محمد عليه الصلاة والسلام.
ووفقًا لما ذكره ابن كثير، فإن الجن خلقوا قبل سيدنا آدم بسنين طويلة، إلا أن الأرض لم تكن موطنهم الأول، إذ سكنها قبلهم مخلوقان يعرفان باسم الحن والبن، ويذكر أن الله سبحانه وتعالى سلط الجن على الحن والبن، فكانت الغلبة للجن الذين أخرجوهم من الأرض واستوطنوها مكانهم.
ونشبت معركة كبرى بين الجن والحن والبن، انتهت بسيطرة الجن على الأرض، دون أن يورد ابن كثير تفاصيل دقيقة عن ماهية هذه المخلوقات أو أوصافهم.
ولفت “البداية والنهاية” إلى أن الحن والبن مخلوقات خلقها الله، لا تنتمي إلى البشر ولا إلى الجن، وقد وجدوا قبل الجن بزمن طويل، واستوطنوا الأرض في عصور سحيقة.
ومع مرور الوقت، اقتتلوا فيما بينهم، وارتكبوا المعاصي وسفكوا الدماء، فعصوا الله، فسلط عليهم الجن، فقتلوهم وشردوهم ومزقوا شملهم.
وبعد المعركة الفاصلة بين الجن من جهة والحن والبن من جهة أخرى، اختفى ذكر هذه المخلوقات، ولا يعرف مصيرهم على وجه اليقين: هل أُبيدوا تمامًا أم فروا إلى مكان مجهول في هذا الكون؟ وهناك من يربط بينهم وبين يأجوج ومأجوج، معتبرًا أنهم فرّوا إلى جبال القوقاز، ثم عادوا للظهور بعد نزول البشر إلى الأرض، فعاثوا فسادًا حتى جاء ذو القرنين وحبسهم خلف السد، ليخرجوا في آخر الزمان.
تأكيد وجود مخلوقات قبل البشر
لا تتعارض هذه الروايات مع ما ورد في القرآن الكريم بشأن وجود مخلوقات سبقت البشر، إذ أخبر الله ملائكته بقوله: “إني جاعل في الأرض خليفة”، والخليفة لا يأتي إلا بعد سلف.
ولهذا قالت الملائكة: “أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء”، وهو استنتاج مبني على تجربة سابقة مع مخلوقات سبقت الإنسان.
وقد اتفق عدد من المفسرين على أن هؤلاء لم يكونوا من الجن، بدليل ذكر سفك الدماء، متسائلين: هل للجن دماء؟ ويذكر المؤرخ المسعودي أن الله خلق قبل آدم ثمانيًا وعشرين أمة، على أشكال وهيئات مختلفة.
الأمم التي سكنت الأرض قبل سيدنا آدم
أورد شهاب الدين الأبشيهي في كتابه الشهير “المستطرف في كل فن مستظرف” روايات منقولة عن المسعودي وغيره من العلماء، تفيد بأن الله خلق 28 أمة قبل خلق سيدنا آدم عليه السلام.
وقد وصف المسعودي أشكالهم وصفًا تفصيليًا، وإن لم يتم الجزم بصحة هذه الأوصاف، ومن بين تلك الأوصاف:
- مخلوقات ذات أجنحة، وكان كلامهم يشبه القرقعة.
- مخلوقات بأجساد تشبه الأسود ورؤوس كالطيور، لهم شعور وأذناب، وكلامهم دوي.
- مخلوقات لها وجهان، أحدهما أمامي والآخر خلفي، ولها أرجل كثيرة.
- مخلوقات تشبه نصف الإنسان، لها يد ورجل، وكلامها كصياح الغرانيق.
- مخلوقات بوجه آدمي وظهر سلحفاة، وفي رؤوسها قرن، وكلامها كعواء الكلاب.
- مخلوقات لها شعر أبيض وذيل كذيل البقر.
- مخلوقات ذات أنياب بارزة كالخناجر وآذان طويلة.
عدد الأمم من خلال التناسل بين الجن قبل سيدنا آدم
أما المؤرخ المسعودي، فقد أشار في بعض كتبه إلى أن عدد الأمم التي سكنت الأرض قبل آدم بلغ 120 أمة، ليس لأنها خلقت دفعة واحدة، بل نتيجة تكاثرها عبر التناسل، ومع ذلك، يؤكد أن الله لم يخلق على وجه الأرض أجمل من الإنسان.
كما أورد أن الله خلق سيدنا إسرافيل عليه السلام على صورة قريبة من صورة الإنسان، وهو من أقرب الملائكة إلى الله، وجاء في الحديث الشريف: “لا تضربوا الوجوه فإنها على صورة إسرافيل”.
من طرد الجن من الأرض
بعد القضاء على الحن والبن، اندلعت معركة ضارية بين الإنس والجن على سطح الأرض، وكان أبرز أبطالها مهلاييل بن قينن بن أنوش بن شيث بن آدم، وهو اسم قد لا يكون شائعًا، لكنه مذكور في كتب التاريخ، حيث قيل إنه ملك الأقاليم السبعة، وأول من قطع الأشجار، وأول من شيّد المدن والحصون الكبرى.
كما يروي ابن كثير في “البداية والنهاية” نقلًا عن بعض الأعاجم، أن مهلاييل أسس أول جيش من الإنس، للدفاع عن مدينتي بابل والسوس الأقصى، ودارت معركة فاصلة بين جيشه وجيش إبليس، انتهت بنصر الإنس.
وبدأت تفاصيل هذه المعركة بعد وفاة سيدنا آدم، حين شرع إبليس في إغواء أبنائه بمساعدة الشياطين والمردة والغيلان، سعيًا لبسط نفوذهم على الأرض، وعندما أدرك مهلاييل خطورة هذا التمدد، بادر ببناء المدن والتحصينات لحماية البشر، خاصة بعد ظهور الشياطين علنًا لبني الإنسان.
وفي الرواية الشهيرة التي أوردها ابن كثير، ذكر أن مهلاييل أنشأ أقوى جيش من الإنس لمواجهة الجن، وعندما حاول إبليس وجنوده الهجوم على بابل والسوس الأقصى، تصدى لهم جيش مهلاييل، وقتل عددًا كبيرًا من أتباع إبليس، ففر الباقون، وكان من أبرز نتائج هذه المعركة القضاء النهائي على الغيلان.



