المهلب بن ابي صفرة دهاء القائد الذي اسقط دولة الازارقة من الداخل
في اعقاب مقتل عثمان بن عفان رضي الله عنه، دخلت الامة الاسلامية مرحلة فتنة عميقة، وظهرت جماعة الخوارج كاحد اخطر تجلياتها السياسية والعقدية، وانقسمت هذه الجماعة الى فرق متعددة، وكان اشدها غلوا وتشددا فرقة الازارقة التي حملت فكرا متطرفا وسيفا لا يعرف رحمة، وسعت الى فرض رؤيتها بالقوة، واراقت الدماء باسم الدين، ووسعت دائرة التكفير حتى شملت جمهور المسلمين.
من هو المهلب بن ابي صفرة
قاد هذه الفرقة في بدايتها نافع بن الازرق، وهو رجل عرف بصلابة رأيه وتشدد طرحه، فاعتبر كل من لم يهاجر اليه ويبايعه ويخرج للقتال معه كافرا مشركا، وحكم على مرتكب الكبيرة بالكفر والخلود في النار، واستباح دماء مخالفيه واموالهم ونساءهم واطفالهم، واعتبر بلاد المسلمين الذين لم يوافقوه دار كفر، فانفصل عن المجتمع الاسلامي انفصالا كاملا، ومارس اتباعه ما سموه الاستعراض، فتعرضوا للناس بالقتل والسلب والنهب، ونشروا الرعب في البصرة والاهواز وبلاد فارس وكرمان.
زاد تطرف نافع الشقاق داخل الخوارج انفسهم، ففارق عبد الله بن الزبير حين رأى انه لا يشاركه هذا النهج المتشدد، وتحرك باعوانه في الاقاليم الشرقية يعلنون التمرد جهارا، ويقاتلون المسلمين علانية، فشعر اهل البصرة بخطر داهم يهدد امنهم واستقرارهم، وادركوا انهم يحتاجون الى قائد يجمع بين الحزم والحكمة.
اختاروا المهلب بن ابي صفرة الازدي، وهو رجل قليل الكلام كثير الفعل، يجمع بين الحلم والشدة، ويعرف متى يتقدم ومتى ينتظر، فاشترط قبل ان يتولى القيادة ان يختار الجنود بنفسه، وان تكون له الامرة والخراج في كل بلد يفتحه، فوافقوا على شروطه، فجمع نحو اثني عشر الفا من خيرة اهل البصرة، ولما ضاق بيت المال استدان من التجار، وخاطبهم بوضوح ان تجارتهم تعطلت بسبب قطع الطرق، ووعدهم برد اموالهم اذا تحقق النصر، فجهز الجيش وانطلق الى ساحة المواجهة.
طارد المهلب الازارقة نحو عامين، يناورهم ويصبر عليهم، حتى استدعاه مصعب بن الزبير سنة 67 هـ ليعاونه في قتال المختار الثقفي، فشارك في الحملة حتى تحقق الانتصار، فولاه مصعب الموصل والجزيرة واذربيجان وارمينية، لكن خطر الازارقة تجدد، فاعاده الى ميدانهم من جديد.
تبدلت الاوضاع بعد مقتل مصعب، وسيطر عبد الملك بن مروان على العراق، فابقى المهلب في موقعه لخبرته بشؤونهم، وسانده اخوه بشر بن مروان، ثم جاء الحجاج بن يوسف واليا على العراق سنة 75 هـ، فشدد الدعم العسكري، وامد المهلب بالجند والعدة، وطلب منه الحسم السريع، لكن المهلب تمسك برؤيته، واكد ان الرأي ينبغي ان يصدر عمن يبصر العواقب لا عمن يملك السلطة فقط.
اعتمد المهلب اسلوب النفس الطويل، وانتظر ان يتصدع صفهم من الداخل، وكتب الى الحجاج انه ينتظر منهم موت قائدهم او تفرق كلمتهم او جوعا يفتك بهم، وفعلا تصاعد الخلاف بعد مقتل نافع، وتولى القيادة قطري بن الفجاءة التميمي، وهو فارس شجاع وخطيب بليغ، وبايعه اتباعه امير المؤمنين، وظل يقاتل سنوات طويلة، لكنه واجه انقسامات داخلية خاصة مع عبد ربه الكبير، فتهيأت الفرصة للمهلب ليستثمر هذا الضعف.
استعمل المهلب دهاء سياسيا وعسكريا، فعرف بوجود صانع سهام مسمومة بينهم، فارسل كتابا مزورا يوهم بتلقي رشوة منه، فشك قطري في رجاله، وانكر الصانع فقتله، فاشتعل الغضب في صفوفهم، وانشق عبد ربه، ثم ارسل المهلب رجلا نصرانيا وامره ان يسجد لقطري امام الناس، فاتهم بعضهم قطري بادعاء الالوهية، وتفاقم الصراع بينهم، وتركهم المهلب شهرا يتقاتلون، وابلغ الحجاج انه يفضل ان يضعفوا بانفسهم قبل ان يهجم عليهم.
حين انهكتهم الفتنة الداخلية، تقدم المهلب بجيشه، ووجه لهم ضربة قاصمة، فقتل عبد ربه، وطردهم من جيرفت، وطارد فلولهم حتى تفككت قوتهم، اما قطري ففر الى طبرستان، فبعث الحجاج سفيان بن الابرد الكلبي في اثره، فلاحقه حتى تعثر به فرسه، فانكسرت فخذه، فادركه الجنود وقتلوه سنة 78 هـ، وحملوا رأسه الى الحجاج، وبذلك طويت صفحة اخطر قادة الازارقة.
استمرت حرب المهلب ضدهم نحو ثلاثة عشر عاما، من قرابة 65 الى 78 هـ، وانهى خلالها اخطر تهديد واجه الدولة الاموية في عهد عبد الملك بن مروان، واثبت ان الصبر والتخطيط قد يغلبان الاندفاع، وانه يمكن تفكيك الجماعات المتشددة من داخلها قبل مواجهتها في الميدان.



