حكاية التقاويم عند المصريين من توت إلى يناير كيف نظم الإنسان الزمن بين الشمس والقمر

منذ فجر التاريخ والإنسان يبحث عن طريقة دقيقة لتنظيم أيامه ومعرفة مواعيد الزراعة والعبادة والاحتفالات، فابتكر التقاويم لتكون مرآة لحركته مع الزمن، في مصر لم يكن التقويم مجرد أرقام وأيام، بل حكاية ممتدة عبر آلاف السنين، ارتبطت فيها أسماء الشهور بالطقس والأرض والأمثال الشعبية التي لا تزال حية حتى اليوم.
حكاية التقاويم عند المصريين
كثيرون قد يتفاجأون إذا سئلوا عن الشهر الحالي في التقويم القبطي، رغم أن هذا التقويم يعد من أقدم النظم الزمنية التي عرفها البشر، فشهور توت وبابة وهاتور وكيهك وطوبة وأمشير وبرمهات وبرمودة وبشنس وبوؤنة وأبييب ومسرى ليست مجرد مسميات، بل تعبير صادق عن علاقة المصري بالأرض والفصول، حيث ربط الناس بين كل شهر وحالة الطقس أو طبيعة الزراعة، فخرجت أمثال شعبية تردد مع بداية كل شهر، وانتقلت من جيل إلى جيل.
التقويم في جوهره هو محاولة لضبط الزمن، وكلمة تقويم تعني في أصلها أول يوم من الشهر، ومع اختلاف الحضارات، ظهرت تقاويم متعددة، منها المصري الفرعوني الذي ورثه الأقباط، والميلادي اليولياني ثم الجريجوري، إضافة إلى التقويم الهجري والعبري والسرياني والفارسي والبابلي والإغريقي والروماني، ورغم هذا التنوع، يمكن تصنيف التقاويم إلى ثلاثة أنواع رئيسية، تقاويم شمسية تعتمد على دوران الأرض حول الشمس، وتقاويم قمرية تعتمد على حركة القمر حول الأرض، وتقاويم تجمع بين النظامين.
المعهد القومي للبحوث الفلكية يوضح أن التقويم القبطي يعد من أبرز التقاويم الشمسية، إلى جانب التقويم الميلادي الجريجوري المستخدم في الحياة المدنية حول العالم، أما التقويم الهجري فيمثل النموذج الأوضح للتقاويم القمرية، لما له من أهمية مركزية في حياة المسلمين وشعائرهم الدينية.
التقويم القبطي يحمل في طياته تاريخا عميقا، فاسم الأقباط في الأصل كان يطلق على سكان مصر جميعا منذ العصور الفرعونية، نسبة إلى مدينة قفط في صعيد مصر، ومع دخول المسيحية ثم الفتح العربي، ارتبط الاسم بالمصريين المسيحيين، الذين حافظوا على النظام الفرعوني للتقويم الشمسي، يتكون هذا التقويم من اثني عشر شهرا، كل شهر ثلاثون يوما، تضاف إليها أيام النسيء، خمسة أيام في السنة البسيطة وستة أيام في السنة الكبيسة، ولضبط الكبس، قسمت السنوات القبطية إلى دورات من ثمانية وعشرين عاما، تحدد فيها السنوات الكبيسة بدقة حسابية ثابتة.
ولأن التقويم القبطي لم يأخذ بتعديلات التقويم الجريجوري، فقد اختلفت بعض التواريخ بينهما، وهو ما جعل عيد الميلاد المجيد يوافق السابع من يناير في التقويم القبطي، بدلا من الخامس والعشرين من ديسمبر في التقويم الجريجوري، كما احتفظ التقويم القبطي بأسماء الشهور المصرية القديمة التي تعود إلى عصور سحيقة، منذ الأسرة الخامسة والعشرين، لتظل هذه الأسماء شاهدا على استمرارية الحضارة المصرية.
ويرتبط التقويم القبطي ارتباطا وثيقا بما يعرف بعصر الشهداء، إذ اتخذ الأقباط من بداية حكم الإمبراطور الروماني دقلديانوس عام 284 ميلادية نقطة لبداية تقويمهم، تخليدا لذكرى الشهداء الذين سقطوا دفاعا عن عقيدتهم، وحدد أول توت من هذا التقويم في التاسع والعشرين من أغسطس، ثم أصبح الحادي عشر من سبتمبر بعد التعديلات التي طرأت على التقويم الميلادي لاحقا.
أما التقويم الميلادي الجريجوري، فهو في حقيقته إصلاح للتقويم اليولياني الذي اعتمدته الإمبراطورية الرومانية، فقد تبين أن السنة اليوليانية أطول قليلا من السنة الشمسية الحقيقية، ومع مرور القرون تراكم الخطأ، ما أدى إلى اضطراب مواعيد الفصول، وفي عام 1582 تدخل البابا جريجوريوس الثالث عشر، وكلف الراهب كريستوفر بوضع نظام يصحح هذا الخلل.
فتم استبعاد عشرة أيام من ذلك العام، واعتماد قاعدة جديدة للكبس تجعل السنوات المئوية بسيطة إلا إذا قبلت القسمة على أربعمائة، وبهذا الإصلاح عاد الاعتدال الربيعي إلى موقعه الصحيح، وبدأ العمل بالتقويم الجريجوري الذي انتشر تدريجيا في دول العالم، حتى أصبح التقويم الشائع في عصرنا الحالي.
ومع ذلك، لا يزال هذا التقويم يعاني من فارق بسيط جدا عن السنة الشمسية، يتراكم ليشكل يوما كاملا بعد آلاف السنين، ما يفتح الباب أمام تعديلات مستقبلية محتملة.
أما التقويم الهجري، فيعود إلى تقاليد العرب قبل الإسلام، الذين اعتادوا التأريخ بالأحداث الكبرى، مثل عام الفيل أو انهيار سد مأرب، وبعد الإسلام، استقر المسلمون على اعتماد الهجرة النبوية بداية لتقويمهم، معتمدين على الدورة القمرية، وقد عرف العرب قديما نظام النسيء، الذي حاولوا من خلاله التوفيق بين السنة القمرية والفصول، لضمان ثبات مواسمهم التجارية والدينية.



