قصص الأنبياء: لوط ودروس من معركة الحق ضد الباطل

تتجلى في قصة نبي الله لوط مثاليات الإيمان والشجاعة في مواجهة الفساد والظلم. فبينما كانت قومه يعيشون في انحلال أخلاقي ورفض صارخ للحق، جاء لوط ليكون الصوت الذي ينادي بالتوبة والإصلاح. تجسد هذه القصة صراعًا بين الحق والباطل، حيث تحدى لوط مجتمعه الذي أغرق في الفواحش، محاولًا إنقاذ نفوسهم من الهلاك. في سياق تلك الأحداث، يتدخل الله سبحانه وتعالى بإرسال ملائكته، ليختبروا قوم لوط ويقضوا على مظاهر الفساد المتفشية. سنتناول في هذا العرض المواقف الصعبة التي واجهها لوط، والدروس العميقة التي يمكن استخلاصها من تلك الأحداث، بما في ذلك ملامح الرحمة والعدل الإلهي التي تتجلى من خلال حكمته في التعامل مع عباده.
لوط، نبي الله، هو ابن هاران وابن تارح (أو آزر)، وابن شقيق الخليل إبراهيم عليه السلام. هاجر مع إبراهيم إلى مكان بعيد عن القوم المشركين واستقر في أرض سدوم. لكن أهل سدوم كانوا من أكثر الناس كفرًا، حيث ارتكبوا من المنكرات ما لم يسبقهم إليه أحد، وابتدعوا فاحشة “إتيان الذكور دون الإناث”.
دعا لوط قومه لعبادة الله الواحد وترك الفواحش، لكنهم أصروا على معاصيهم ولم يؤمن منهم أحد. بل قرروا طرده من مدينتهم، كما جاء في قوله تعالى: “فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَن قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ ۖ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ”.
رغم شدة كفرهم، طلب المشركون من لوط أن ينزل عليهم عذاب الله إن كان صادقًا. دعا لوط عليهم وطلب النصر من الله، فاستجاب الله لدعاءه وأرسل له ملائكته. مر الملائكة أولاً ببيت إبراهيم، حيث بشره الله بغلام حليم، ثم أخبروه بما سيحل بقوم لوط.
وفقًا لرواية قتادة ومحمد ابن إسحاق، سأل إبراهيم الملائكة عن عدد المؤمنين في قرية لوط، ولم يؤمن فيها أحد. وعندما خرج الملائكة الكرام، جبريل وميكائيل وإسرافيل، من بيت إبراهيم وتوجهوا إلى بيت لوط في سدوم، ظهروا في هيئة شباب حسان كاختبار من الله.
عند وصولهم إلى نهر سدوم، وجدوا ابنة لوط، التي كانت تستقي الماء. أخبروها أنهم ضيوف، فشعرت بالشفقة عليهم وذهبت إلى والدها لتخبره بقدومهم، محذرة إياه من قومها الذين كانوا ينهونه عن إكرام الضيوف.
نزل الملائكة في بيت لوط عند غروب الشمس، حيث ضيفهم لوط خائفًا من أن يسيء إليهم أهل المدينة. لكنه شعر بالقلق من عدم قدرته على حمايتهم، كما جاء في قوله تعالى: “وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَٰذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ”.



