تاريخ ومزارات

المؤيد شيخ من مملوك صغير الى سلطان القاهرة وباني المجد الخالد

في زمن سلاطين المماليك، حين كانت القاهرة تتزين بمجد الدولة وتخفي بين ازقتها اسرار القدر، ولد فتى شركسي يدعى شيخ المحمودي، حمل في عينيه طموحا لا ينطفئ، وفي قلبه شجاعة تنتظر لحظة الظهور، ولم تمر سنوات حتى عرف بلقب الملك المؤيد ابو النصر.

 

من هو المؤيد شيخ

قدم شيخ الى القاهرة في الثانية عشرة من عمره، قادما من بلاد الشام، يحمل ذكاء لافتا وملامح جذابة، ولم تمض فترة طويلة حتى لفت نظر السلطان فرج بن برقوق، فضمه الى الحرس السلطاني، ثم بدأ يرفعه من منصب الى اخر، حتى ولاه امارة الحج، ثم اسند اليه نيابة الشام.

لم تتوقف الاحداث طويلا، فبعد مقتل السلطان تولى الخليفة المستعين بالله العباسي الحكم لفترة قصيرة، وفي الثامن من ربيع الاول سنة 815 هـ عينوا الامير شيخ نائبا للملك، ولم يكتف بهذا الدور، بل شارك في الحكم، وحمل لقب الملك المؤيد، ولم تمر اشهر حتى انفرد بالسلطة في اوائل عام 815 هـ الموافق 1412م، فابعاد الخليفة الى سجن الاسكندرية، وولى اخاه داود مكانه.

عرف المؤيد بقوة شخصيته وعدم قبوله للهزيمة، فقاد جيشه بنفسه مرتين لاخماد تمرد الامير نوروز في دمشق، وحسم الصراع بقوة وحزم، ثم توجه بحملة قوية نحو الشام واسيا الصغرى، فاستعاد مدينة طرطوس وما حولها من يد العثمانيين، وبعد انتصاره توجه الى القدس وزار مقدساتها.

في عام 822 هـ ارسل ابنه ابراهيم على راس جيش كبير لاستعادة المناطق التي سيطر عليها التركمان في شمال الشام، فحقق الابن نصرا كبيرا، وتقدم حتى قيسارية وقونية، ثم عاد محملا بالغنائم والاسرى، لكن المرض لم يمهل السلطان طويلا بعد عودة ابنه، فاشتد عليه التعب واقعده عن الحركة.

في التاسع من محرم سنة 824 هـ الموافق 1421م توفي الملك المؤيد، بعد حكم استمر ثماني سنوات وخمسة اشهر، وترك خلفه سيرة مليئة بالشجاعة والانجازات، فقد بدأ حياته مملوكا اشتراه السلطان الظاهر سيف الدين برقوق، ثم اعتقه ورباه وعلمه فنون القتال والفروسية، حتى اصبح من كبار امراء الدولة، ثم قادته مهارته الى عرش مصر، ليصبح واحدا من اهم سلاطين المماليك من اصول شركسية.

لم يقتصر اهتمام المؤيد على الحروب فقط، بل اهتم ايضا بالعمارة والبناء، فاقام منارة في الازهر، وجدد مسجد المقياس، وبنى الخانقاه الخروبية، وانشأ العديد من المساجد والاسبلة والمكاتب في مصر والشام، وكان اعظم اعماله مسجد السلطان المؤيد القائم حتى اليوم بجوار باب زويلة.

قبل بناء المسجد كان المكان سجنا قديما يعرف بخزانة شمائل، وهناك عاش المؤيد تجربة قاسية في شبابه عندما سجن في ذلك الموضع، وبين الجدران الضيقة عاهد ربه ان يحول هذا المكان الى مسجد اذا نجا من محنته.

مرت الايام وتحقق العهد، فعندما اصبح سلطانا اشترى البيوت المحيطة بالسجن، وهدمها، وامر ببناء مسجد عظيم يحول المكان من ظلام الى نور، واشرف على البناء المهندس بدر الدين بن محب الدين الاستادار بمشاركة عدد من كبار المهندسين، وكان السلطان يتابع العمل بنفسه ويهتم بكل التفاصيل.

ساهم المهندس محمد بن القزاز في بناء المنارتين، وبلغت تكلفة المسجد اكثر من سبعين الف دينار ذهبي، ونقلت اليه مكتبة كبيرة من القلعة، واضيفت اليها مئات الكتب، كما عين فيه مدرسون للمذاهب الاربعة والحديث والقراءات والطب.

في داخل المسجد اقيم ضريح السلطان، ودفن الى جواره ابناؤه الصارمي ابراهيم والمظفر احمد وابو الفتح موسى، ليبقى المكان شاهدا على تاريخ عائلة كاملة.

رحل المؤيد قبل اكتمال بناء القبة، لكن اسمه بقي حيا في ذاكرة التاريخ، وتحول السجن الذي عرفه في شبابه الى مسجد يفيض نورا، لتبقى قصته دليلا على ان العزيمة قادرة على تغيير المصير، وان الوفاء بالعهد يصنع الخلود.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى