تاريخ ومزارات

زيد بن حارثة… حبيب النبي وقائد الشهادة

في ارض الشام القديمة، حيث سكنت قبيلة بني كلب من قضاعة، ولد الغلام زيد بن حارثة قبل البعثة النبوية بسنوات، في اسرة كريمة يقودها ابوه حارثة احد اشراف القبيلة، وتحت رعاية امه سعدى بنت ثعلبة من بني معن، فنشأ في بيئة مستقرة وعيش هادئ.

من هو زيد بن حارثة

عاش زيد طفولة مليئة بالطمأنينة، يلعب بين يدي امه ويكبر في كنف ابيه، حتى جاء يوم تغيرت فيه حياته بالكامل، خرج مع امه في زيارة لاهلها، فهجم رجال من بني القين بن جسر على القافلة، واختطفوا الطفل الصغير، ثم باعوه في سوق عكاظ، ليصل الى مكة عبدا غريبا عن اهله.

 

اشتراه حكيم بن حزام باربعمائة درهم، ثم قدمه هدية لعمته خديجة بنت خويلد، وعندما تزوجت من النبي محمد صلى الله عليه وسلم وهبته له، فوجد النبي في زيد اخلاقا طيبة وامانة نادرة، فاعتقه وقرّبه منه، ثم تبناه على عادة ذلك الزمان، فاصبح يدعى زيد بن محمد، وعاش معه كابن قريب من قلبه.

 

ارتبط زيد برسول الله ارتباطا عميقا، فصار يلازمه في اسفاره وحياته اليومية، وامتلأ قلبه بحب كبير له، حتى عرف بين الناس بلقب حب رسول الله، وعاش في بيته مكرما لا يشعر بفقدان اهله.

 

مرت السنوات حتى قدم رجال من قبيلته الى مكة، فعرفوا زيدا وعرفهم، فنقلوا خبره الى ابيه، فاسرع حارثة ومعه عمه كعب الى مكة ليفتدياه، ووقفا امام النبي يطلبان اعادة ابنهما، فاجابهما النبي بحكمة وعدل، وطلب احضار زيد ليختار بنفسه دون اكراه.

 

وقف زيد امام الجميع، فنظر اليه النبي وقال اخترني او اختر اهلك، فاختار زيد البقاء مع النبي دون تردد، وقال كلمات صادقة عبرت عن وفائه، فتعجب ابوه وعمه من قراره، لكنه اصر عليه بعد ان عرف ما وجده من كرامة ومحبة.

 

خرج النبي الى الناس واعلن ان زيدا ابنه، فاطمأن قلب ابيه وعاد الى قبيلته، بينما بقي زيد في مكة يعيش حياة جديدة قائمة على الحب والوفاء.

 

مع بداية الرسالة كان زيد من اوائل من امنوا، وكان اول من اسلم من الموالي، ولم يترك النبي في اي موقف، فشارك في بدر واحد وكل الغزوات، واظهر شجاعة كبيرة ومهارة في القتال، كما عُرف بالامانة والاخلاص في كل مهمة كلف بها.

 

زوجه النبي من ام ايمن، فولدت له اسامة الذي عرف بحب ابن الحب، ثم زوجه من زينب بنت جحش ليؤكد ان التفاضل بين الناس لا يقوم على النسب بل على التقوى، لكن الحياة بينهما لم تستمر طويلا بسبب اختلاف الطباع.

 

نزل القرآن ليبطل عادة التبني ويعيد الانساب الى اصولها، فصار يدعى زيد بن حارثة مرة اخرى، وذكر اسمه صراحة في القران، فكان الصحابي الوحيد الذي ورد اسمه فيه، فكان ذلك تكريما عظيما له.

 

استمر زيد قريبا من النبي، يقوده في السرايا ويعتمد عليه في المهام الصعبة، وامره على سبع حملات، وقدمه على كبار الصحابة، وكان يقول له انت مني واحب الناس الي.

 

جاءت غزوة مؤتة في السنة الثامنة للهجرة، فجهز النبي جيشا من ثلاثة الاف مقاتل، وجعل زيدا قائدا لهم، وحدد ترتيب القيادة من بعده، فان قتل تولى جعفر ثم عبد الله بن رواحة.

 

في ارض البلقاء تقدم زيد يحمل الراية، وقاتل بشجاعة نادرة وسط جموع الروم وحلفائهم، وظل صامدا حتى اصابته الرماح فسقط شهيدا وهو في الخامسة والخمسين من عمره، ثم حمل الراية من بعده جعفر ثم عبد الله واستشهدا ايضا.

 

وصل خبر استشهاده الى المدينة، فحزن النبي حزنا شديدا، وصعد المنبر يدعو له بالمغفرة، ثم توجه الى بيته، ورأى ابنته تبكي، فبكى معها بشدة، وعندما سأله الصحابة عن ذلك قال هذا شوق الحبيب الى حبيبه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى