سر قناة سيزوستريس إلى شارع بورسعيد كيف تحولت شرايين النيل إلى طرقات القاهرة

منذ أكثر من أربعة آلاف عام وقف الملك المصري سنوسرت الثالث من الأسرة الثانية عشرة على ضفاف النيل العظيم وهو يحلم بربط النهر المقدس بالبحر الأحمر الواسع، فكرة جريئة تقوم على شق قناة تصل قلب مصر بالبحر لتكون معبرا للتجارة والحياة عبر المياه، وهكذا شهد القرن التاسع عشر قبل الميلاد ميلاد قناة سيزوستريس التي حملت اسمه لتصبح شريان ماء يروي الأراضي ويحمل السفن التجارية.
سر قناة سيزوستريس
لكن مع مرور الزمن كانت القناة تتعرض للإهمال وتتكدس فيها الرمال والطمي حتى تصبح غير صالحة للملاحة والري، ثم يأتي حاكم جديد يعيد إحياءها من جديد، وكان آخر من أعاد إليها الحياة قبل الفتح الإسلامي الإمبراطور الروماني هادريانوس في القرن الثاني الميلادي، لكن مع ضعف الإمبراطورية الرومانية عادت القناة للردم حتى اختفت بحلول عام 641 ميلادية مع دخول المسلمين مصر.
في ذلك العام وصل عمرو بن العاص حاملا راية الإسلام وكانت الحاجة ماسة لطريق تجاري سريع يربط وادي النيل بالحجاز لنقل المؤن والسلع، فأمر الخليفة عمر بن الخطاب بإعادة حفر القناة، وانطلق عمرو بن العاص مع جنوده في مهمة كبيرة، وفي ستة أشهر فقط عادت القناة إلى الحياة عام 644 ميلادية وحملت اسم خليج أمير المؤمنين تكريما لعمر بن الخطاب، ومع قيام الدولة الفاطمية تغير اسمها إلى خليج القاهرة ثم الخليج الحاكمي نسبة إلى الحاكم بأمر الله.
كان مسار الخليج يبدأ من النيل جنوب قصر العيني في منطقة عرفت بفم الخليج ويتجه شمالا ليمر عند السيدة زينب ثم درب الجماميز أمام المدرسة الخديوية وصولا إلى باب الخلق وباب الشعرية والحسينية قرب جامع الظاهر بيبرس، ثم يواصل طريقه خارج القاهرة عبر المزارع مارا بالزاوية الحمراء والأميرية حتى يصل إلى القليوبية متتبعا جزءا من مسار ترعة الإسماعيلية الحالية، ومن هناك يعبر بلبيس والعباسة والتل الكبير وسرابيوم ليصب في بحيرة التمساح ومنها إلى البحيرات المرة المتصلة بالبحر الأحمر.
ظل الخليج قرونا طويلة يحمل مياه الري والتجارة وماء الشرب لأهل القاهرة لكنه بدأ يفقد أهميته مع افتتاح قناة السويس عام 1869 التي أخذت دوره في الملاحة، كما أنشأ الخديوي إسماعيل شركة مياه القاهرة ومدت الأنابيب للأحياء فلم يعد للخليج ضرورة، وتحول تدريجيا إلى مكان لإلقاء المخلفات وأصبح خطرا على الصحة العامة، فأصدر الخديوي عباس حلمي الثاني في فبراير 1897 قرارا بردمه نهائيا، وتولت شركة ترام القاهرة المهمة وتحول إلى شارع عام عام 1898 أطلق عليه شارع الخليج المصري، ثم شهد العام التالي مد خطوط الترام الكهربائي ليربط بين غمرة وباب الشعرية والسيدة زينب وقصر العيني.
وفي عام 1956 تغير اسمه إلى شارع بورسعيد ليطوي معه صفحة طويلة من تاريخ مصر المائي، بعد أن كان يوما شريان حياة نابضا ليبقى ذكرى محفورة في وجدان القاهرة وشوارعها العريقة.



