قبائل و عائلات

زناتة.. قبيلة عربية-أمازيغية صنعت ممالك المغرب وغيرت ميزان القوة في شمال أفريقيا

أسماء صبحي – تعد قبيلة زناتة واحدة من أبرز التجمعات القبلية التي لعبت دورًا مفصليًا في صياغة التاريخ السياسي والعسكري لبلاد المغرب العربي خاصة منذ القرون الوسطى وحتى بدايات العصر الحديث. وعلى الرغم من أن أصول القبيلة تنحدر من الجذور الأمازيغية، فإن عملية التعريب التي شهدها المغرب العربي خلال القرون الإسلامية جعلتها تصوغ هوية مزدوجة عربية-أمازيغية. أثرت في لغتها وثقافتها وتقاليدها، الأمر الذي منحها قدرة كبيرة على التكيّف وقيادة التغيّرات في المنطقة.

انتشرت قبائل زناتة في مناطق واسعة من الجزائر والمغرب وتونس وليبيا. وشكلت عبر التاريخ أحلافًا وقوى قبلية كبيرة أسست سلالات حاكمة كان أبرزها: الزيانيون في تلمسان، بنو مرين في المغرب الأقصى، وبنو عبد الواد في غرب الجزائر. وقد عرفت القبيلة بالشجاعة والقوة القتالية العالية بالإضافة إلى مهارتها في ركوب الخيل. مما جعلها قوة عسكرية تعتمد عليها مختلف الدول الإسلامية في المنطقة.

جذور زناتة ومسار انتشارها

تشير المصادر التاريخية إلى أن القبيلة تعود في أصولها إلى مجموعة كبيرة من القبائل الأمازيغية التي كانت تسكن شمال أفريقيا منذ آلاف السنين لكن اختلاطها المبكر بالعرب بعد الفتح الإسلامي منحها بعدًا جديدًا. وقد ذكر المؤرخون القدماء — وعلى رأسهم ابن خلدون — أن القبيلة انقسمت إلى بطون عديدة مثل: بنو يفرن، بنو مرين، بني توجين، وبني عبد الواد.

مع بداية القرن الحادي عشر، تعاظم نفوذ القبيلة بسبب دورها في الصراعات الإقليمية بين المرابطين والموحدين والدول اللاحقة. وكانت القبيلة في كثير من الأحيان الورقة الحاسمة في تغيير موازين القوى. حيث اتسمت بالقدرة على التحالف ثم الانفصال ثم العودة للتحالف مرة أخرى بحسب ميزان المصلحة القبلية والسياسية.

الدولة الزيانية في تلمسان

أسس بنو عبد الواد — أحد بطون القبيلة — واحدة من أهم الممالك في تاريخ الجزائر وهي الدولة الزيانية (القرن 13–16). وسيطرت تلك الدولة على طرق التجارة الحيوية بين الداخل الإفريقي وسواحل المتوسط. وأقامت علاقات سياسية وتجارية واسعة مع الأندلس والممالك الأوروبية.

دولة بني مرين في المغرب

أما في المغرب الأقصى، فقد برز بنو مرين كقوة عسكرية قادت المغرب خلال مرحلة الصراع مع الموحدين، وتمكنوا من حكم البلاد لقرون. وأشرفوا على ازدهار مدن فاس ومراكش إضافة إلى رعايتهم للعلم والعمران وبناء المدارس الشهيرة مثل المدرسة البوعنانية.

التراث الثقافي والاجتماعي

تتمتع القبيلة بمزيج فريد يجمع بين الثقافة الأمازيغية الأصيلة والتأثير العربي الواضح، خاصة في اللغة والعادات. ويعيش اليوم العديد من أحفاد زناتة في الجزائر (خاصة تلمسان وغرب البلاد) والمغرب في مناطق الشرق والريف، إضافة إلى تونس وليبيا.

ويؤكد الباحثون أن القبيلة ساهمت في نشر العربية في مناطق واسعة من المغرب العربي. كما أثرت في البنية القبلية وأسهمت في تعزيز الروابط بين العرب والأمازيغ خلال قرون طويلة من التواصل والتفاعل.

ويقول الدكتور أمين بوعلام، الباحث في تاريخ شمال أفريقيا والأنثروبولوجيا الثقافية، إن قبيلة زناتة تمثل نموذجاً فريداً للقبائل التي استطاعت أن تتكيّف مع التحولات الكبرى التي شهدتها المنطقة. فقد جمعت بين الجذور الأمازيغية الصلبة والتأثير العربي العميق، مما منحها قدرة على لعب أدوار سياسية وعسكرية محورية. وقد أسهم الزناتيون في تشكيل الخريطة السياسية للمغرب الأقصى والجزائر، ولا تزال بصمتهم حاضرة حتى اليوم في الثقافة والهوية المحلية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى