سر اللغة النوبية في حرب أكتوبر.. كيف حول أحمد إدريس لهجته إلى سلاح حاسم غيّر مسار المعركة

في أوائل سبعينيات القرن الماضي، كانت مصر تستعد لمعركة مصيرية من أجل استعادة كرامتها بعد نكسة 1967، وفي وسط هذه التحضيرات واجه الجيش المصري تحديا خطيرا، حيث كانت كل إشارة عسكرية يتم إرسالها تفك بسهولة من جانب الكيان، واستمر العجز عن إيجاد وسيلة آمنة للتواصل الداخلي لمدة أسبوع كامل.
سر اللغة النوبية في حرب أكتوبر
عقد قادة الجيش اجتماعا طارئا للبحث عن حل، وكان بين الحضور مجند نوبي يدعى أحمد إدريس، خدم في الجيش منذ عام 1954 وشارك في حروب عديدة من العدوان الثلاثي إلى حرب اليمن ونكسة 67، وبينما كان القادة في حيرة ضحك إدريس فجأة، ليثير استغراب الحاضرين، فأجابهم بثقة أن الحل بسيط، وهو التحدث باللغة النوبية التي لا يعرفها أحد ولا تملك حروفا مكتوبة، مؤكدا أن استخدامها في الإشارات سيجعلها مستحيلة على العدو لفكها.
نقل قائد الجيش الفكرة إلى الرئيس أنور السادات، الذي كان ضابط إشارة في الأساس، فأدرك عبقريتها وقرر تنفيذها، وبعد أيام قليلة استدعي إدريس بطريقة تمويهية ليجد نفسه في مكتب الرئيس الذي رحب به بحرارة وأمره بتطبيق الفكرة فورا، مع تشديد على سرية الأمر حتى عن أقرب الناس إليه.
تم استدعاء 344 جنديا نوبيا، نصفهم يتحدثون لهجة الفاديجا والنصف الآخر لهجة الكنز، وأنشئت 20 محطة إشارة حملت أسماء نوبية، كما أطلقت أسماء سرية على المعدات العسكرية مثل ميسر للجندي، إيجت للضابط، تي للدبابة، تون للعربة، وأوسلمجني للمخابرات، ولأول مرة سُمح باستخدام الميكروفونات للتواصل المباشر بالنوبية، ما جعل الإشارات المصرية عصية على الاختراق وأسهم في تحقيق نصر أكتوبر 1973.
عمل إدريس ورفاقه في صحراء سيناء بالتعاون مع بدو المنطقة الذين وفروا معلومات هامة عن تحركات العدو، حيث كانوا يختبئون في مغارات نهارا ويخرجون ليلا لجمع المعلومات وبثها بالنوبية لضمان السرية، واستمر هذا النظام حتى تحقق النصر الكبير.
ورغم بطولته، لم يكرم السادات أحمد إدريس حفاظا على سرية الفكرة، وبقي صامتا حتى عام 2010 عندما خرج شخص آخر مدعيا أنه صاحبها، ليضطر إدريس إلى كشف الحقيقة مؤكدا أن المدعي لم يكن في الجيش ولا يعرف اللغة النوبية، وبعدها ظهر إعلاميا حتى كرمه وزير الدفاع عام 2014 بدرع في ذكرى حرب أكتوبر.
ظل أحمد إدريس رمزا خالدا للإبداع والتضحية، إذ حول لغته الأم إلى سلاح لا يقهر أعاد لمصر كرامتها في واحدة من أعظم معاركها.



