قبيلة بني زيري: من صنهاجة شمال إفريقيا إلى عرش غرناطة في الأندلس
أسماء صبحي – عندما نقرأ صفحات تاريخ الأندلس لا يمكن أن نتجاهل بصمات القبائل التي عبرت البحر من شمال إفريقيا لتؤسس دولًا وممالك تركت أثرها العميق في مسار الحضارة الإسلامية. ومن أبرز هذه القبائل قبيلة بني زيري التي انطلقت من جذورها الصنهاجية البربرية لتتبوأ موقع القيادة في مدينة غرناطة. ولتكون إحدى القوى الفاعلة في زمن ملوك الطوائف.
أصول قبيلة بني زيري
القبيلة هي فرع من قبائل صنهاجة الكبرى التي اشتهرت في شمال إفريقيا بالقوة العسكرية والولاء للدعوة الإسلامية منذ القرون الأولى. وارتبطت هذه القبيلة بالدولة الفاطمية وأسند إليها حكم مناطق شاسعة في المغرب الأوسط. ومع انتقال الأحداث إلى الأندلس وجد رجال بني زيري في ذلك فرصة لتوسيع نفوذهم وتثبيت حضورهم في الضفة الأخرى من البحر.
التأسيس في غرناطة
مع انهيار الخلافة الأموية في قرطبة ودخول الأندلس مرحلة التشرذم السياسي برز دور بني زيري بشكل لافت. فقد تمكن باديس بن حبوس من السيطرة على غرناطة مطلع القرن الحادي عشر ليعلن بداية عهد جديد في تاريخ المدينة. ومعه تأسست دولة بني زيري التي امتدت لنحو ثمانية عقود لتصبح غرناطة عاصمة قوية بين دويلات الطوائف.
ازدهار الحكم
أبرز ما ميز دولة بني زيري أنها استطاعت الجمع بين القوة العسكرية والتنظيم الإداري. فتم تشييد الأسوار والحصون التي حصّنت غرناطة ضد هجمات الشمال المسيحي. كما نُظمت الزراعة عبر قنوات الري المتطورة التي جعلت من واديها الخصيب مصدرًا للرخاء.
شهدت غرناطة في عهد بني زيري نهضة فكرية وفنية، حيث أصبحت مقصدًا للعلماء والأدباء. وبرزت كمدينة تضاهي قرطبة وإشبيلية في مكانتها الثقافية.
تحديات وصراعات
لم يكن الطريق ممهدًا أمام بني زيري، فقد واجهوا منافسة شرسة من الطوائف الأخرى، وعلى رأسها بنو عباد في إشبيلية وبنو هود في سرقسطة. كما شكلت الممالك المسيحية في الشمال تهديدًا دائمًا لدولتهم. ومع صعود قوة المرابطين القادمين من المغرب تراجع نفوذ بني زيري تدريجيًا حتى سقطت دولتهم في أواخر القرن الحادي عشر.
الإرث الحضاري
رغم أن دولتهم لم تعمر طويلًا، إلا أن إرث بني زيري ظل حاضرًا في غرناطة. فقد ساهموا في وضع اللبنات الأولى لتحصينات المدينة التي ستقف قرونًا طويلة في وجه السقوط. كما أرسوا نظامًا إداريًا ترك أثره على من جاء بعدهم. ومن رحم تجربتهم السياسية ولدت فيما بعد دولة بني الأحمر التي ستقود غرناطة حتى نهاية الحكم الإسلامي في الأندلس.
ويؤكد الدكتور محمد عبدالسلام، الباحث في تاريخ الأندلس، أن دور قبيلة بني زيري لا يقل أهمية عن غيرهم من حكام الطوائف، قائلًا: “لقد كان لبني زيري دور جوهري في تشكيل هوية غرناطة. صحيح أن دولتهم لم تدم طويلًا، لكنها أسست لمرحلة مفصلية مهدت لظهور بني الأحمر. إنهم يمثلون مثالًا حيًا على تفاعل القبائل البربرية مع الثقافة العربية الإسلامية وصعودها كقوة قيادية في الأندلس”.



