قبائل و عائلات

شيخ العرب عمر أبو بسيسة.. قاضي البادية الذي حكم بين القبائل وكرمته الدولة والملوك

يعد شيخ العرب القاضي عمر أبو بسيسة العزومي واحدا من أبرز الشخصيات القبلية والدينية التي برزت في الصحراء الغربية خلال أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، حيث جمع بين العلم الشرعي والقضاء العرفي والعمل الاجتماعي، واكتسب مكانة كبيرة بين القبائل العربية الممتدة من البحيرة حتى برقة.

من هو شيخ العرب عمر أبو بسيسة

وينتمي الشيخ عمر أبو بسيسة إلى قبائل أولاد علي من فرع العزوم، أحد بطون أولاد علي بن عقار من بني سليم، وتشير الروايات المتداولة إلى أنه ولد عام 1841، وعاش نحو تسعين عاما حافلة بالعطاء قبل أن يرحل في 21 مايو 1931.

تلقى الشيخ عمر علومه الدينية في معهد الجغبوب السنوسي الشهير، حيث حفظ القرآن الكريم ودرس علوم الشريعة والفقه وأصول الدين، الأمر الذي أهله ليصبح من كبار علماء البادية وقضاتها في ذلك العصر.

ونظرا لما عرف عنه من علم وحكمة ونزاهة، عينته الحكومة المصرية قاضيا ورئيسا لمحكمة الشرع المتنقلة، وهي المحكمة التي كانت تفصل في النزاعات والقضايا بين القبائل العربية المنتشرة في المناطق الصحراوية، وقد ذاع صيته حتى أصبح مرجعا للفصل في الخصومات وإصلاح ذات البين بين القبائل والعائلات.

وكان الشيخ عمر أبو بسيسة من بين كبار القضاة والعمد والمشايخ الذين شاركوا في تطوير وتقنين ما عرف بدربة أولاد علي، وهي مجموعة القوانين والأعراف القبلية التي جرى مواءمتها مع أحكام الشريعة الإسلامية، وقد اعترفت وزارة الحربية والبحرية المصرية بهذه القوانين عام 1917 بعد أن رأت ملاءمتها لطبيعة المجتمع البدوي وأوضاع القبائل العربية.

كما لعب دورا بارزا في جهود الصلح بين القبائل المتنازعة، وكان من أبرز المشاركين في تسوية الخلاف التاريخي بين قبيلتي العواقير والشهيبات بمدينة السلوم عام 1910، حيث ساهم مع عدد من الوجهاء والحكماء في إنهاء النزاع وإرساء السلم بين الطرفين.

ولم تقتصر مكانته على الجانب القضائي فقط، بل كان المتحدث باسم القبائل العربية أمام الجهات الحكومية، وصاحب كلمة مسموعة لدى المسؤولين والأعيان، لما عرف عنه من حكمة وبعد نظر وقدرة على تقريب وجهات النظر.

وخلال فترة الجهاد ضد الاحتلال الإيطالي في ليبيا، كان الشيخ عمر أبو بسيسة من الشخصيات التي دعمت المجاهدين في برقة، حيث شارك مع كبار العمد والمشايخ وأعيان القبائل العربية في تنظيم جهود المساندة وتوفير المال والمؤن للمجاهدين، دعما لنضالهم في مواجهة الاحتلال.

وتقديرا لدوره ومكانته، نال عدة تكريمات رسمية من حكام مصر في ذلك الوقت، ففي عام 1911 منحه الخديو عباس حلمي الثاني سيفا وبرنوسا تكريما لجهوده، كما خصصت له أراض زراعية واسعة بمنطقة حوش عيسى والكوم الأخضر بمحافظة البحيرة.

وفي عام 1926 كان من بين كبار مشايخ وأعيان القبائل العربية الذين استقبلهم الملك فؤاد الأول بقصر رأس التين بالإسكندرية، تقديرا لمكانتهم ودورهم الوطني، وبعد ذلك بعامين، وخلال زيارة ملكية إلى منطقة الحمام بالصحراء الغربية، أهداه الملك فؤاد سيفا من الذهب وساعة بسلسلة ذهبية وبرنوسا يحمل شعار المملكة المصرية.

وعرف الشيخ عمر أبو بسيسة بثروته الكبيرة التي تمثلت في مساحات واسعة من الأراضي الزراعية المسجلة بعقود رسمية، إلى جانب أعداد كبيرة من الإبل والأغنام، ورغم ذلك اشتهر بين الناس بالكرم والسخاء، وكان من أهل البر والإحسان، حيث تذكر الروايات أنه تكفل بسداد ديات قتل عن عائلتين ابتغاء مرضاة الله وإصلاحا بين الناس.

وظل الشيخ الجليل يحظى باحترام القبائل العربية وأبناء الصحراء طوال حياته، حتى أصبح اسمه مرادفا للعدل والحكمة والإصلاح، وعندما توفي عام 1931، رثاه كثير من رفاقه وأبناء البادية بقصائد مؤثرة استحضرت مواقفه وأخلاقه وسيرته بين الناس.

كما حرصت الدولة على تكريم ذكراه بعد وفاته، حيث أرسل الملك فؤاد الأول شاهدا رخاميا لوضعه على ضريحه تقديرا لما قدمه من خدمات جليلة للوطن وللمجتمع القبلي طوال عقود من العمل والإصلاح.

ويبقى الشيخ عمر أبو بسيسة العزومي واحدا من أبرز أعلام الصحراء الغربية في العصر الحديث، ورمزا من رموز القضاء الشرعي والإصلاح الاجتماعي بين القبائل العربية، وسيرة تستحق أن تظل حاضرة في ذاكرة الأجيال.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى