حكاية إدريس الذي تحدى العباسيين وصنع مجده

في أواخر القرن الثاني الهجري، عاش العالم الإسلامي مرحلة مضطربة بعد سقوط الدولة الأموية وصعود الدولة العباسية، واشتعلت الصراعات في أكثر من مكان، وخلال هذه الأجواء العنيفة نجا إدريس بن عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب، أحد أبناء آل البيت، من موجة دموية استهدفت أفراد أسرته.
حكاية إدريس الذي تحدى العباسيين وصنع مجده
بدأت الشرارة عام 145 هـ الموافق 762 م، عندما قاد محمد بن عبد الله المعروف بالنفس الزكية ثورة في المدينة المنورة ضد الخليفة أبي جعفر المنصور، وشارك في هذه الحركة عدد من كبار العلماء مثل مالك بن أنس وأبي حنيفة، لكن الثورة انتهت بالهزيمة، ثم تلتها محاولة أخيه إبراهيم، وبعدها اندلعت ثورة الحسين بن علي سنة 169 هـ الموافق 786 م في موقعة فخ قرب مكة، وسقط خلالها عدد كبير من أبناء آل البيت.
نجا إدريس وأخوه يحيى من تلك الأحداث القاسية، فاتجه يحيى نحو الشرق إلى بلاد الديلم في إيران، حيث حصل على بيعة بعض السكان، لكنه وقع في فخ الخداع حين وعده هارون الرشيد بالأمان ثم ألقى القبض عليه، لينهي حياته داخل السجن، أما إدريس فاختار طريقا مختلفا، واتجه غربا عبر مصر، حيث قدم له واضح والي البريد المساعدة، قبل أن يدفع هذا الأخير حياته ثمنا لذلك بأمر من الرشيد.
واصل إدريس رحلته الشاقة التي امتلأت بالمخاطر والتحديات، حتى وصل إلى مدينة وليلي في المغرب الأقصى مع بداية ربيع الأول سنة 172 هـ الموافق أغسطس 788 م، وكانت المنطقة آنذاك تضم خليطا من البربر والمسيحيين واليهود والمجوس.
استقبل إسحاق بن محمد الأوربي، زعيم قبيلة أوربة، إدريس بحفاوة واضحة، ولاحظ علمه وخلقه، فازداد إعجابه به، ومع مرور الوقت كسب إدريس ثقة السكان، وفي الرابع من رمضان سنة 172 هـ الموافق 6 فبراير 789 م بايعه إسحاق وأتباعه إماما وأميرا، ثم انضمت إليه قبائل أوربة ومغيلة وصدينة، وتكونت له قوة محلية دعمت نفوذه.
خلال عامين فقط، وسع إدريس نفوذه وسيطر على مناطق واسعة امتدت من تلمسان شرقا حتى سواحل المحيط الأطلسي غربا، ونجح في تأسيس كيان سياسي جديد وضع أساس أول دولة مستقلة في تاريخ المغرب.
أثار هذا النجاح قلق هارون الرشيد في بغداد، فدخل في مشاورات مع وزيره يحيى البرمكي، وقررا التخلص من إدريس، فأرسلا رجلا يدعى سليمان بن جرير المعروف بالشماخ، متنكرا في هيئة طبيب، حتى يتمكن من التسلل إليه.
وصل الشماخ إلى وليلي سنة 793 م، وتمكن من التقرب من إدريس، وكسب ثقته تدريجيا حتى صار من دائرته المقربة، واستغل هذه المكانة لتنفيذ خطته.
في السادس عشر من يوليو سنة 793 م، استغل الشماخ غياب خادم إدريس راشد، وقدم له قارورة عطر، وعندما استنشقها تسلل السم إلى جسده، فأنهى حياته، وبعدها حاول الشماخ الهرب، فلاحقه راشد حتى وادي ملوية، لكنه تمكن من الفرار وعاد إلى بغداد، حيث حصل لاحقا على منصب والي البريد في مصر.
دُفن إدريس بن عبد الله في وليلي، وكانت زوجته كنزة حاملا، فجمع راشد زعماء البربر وأعلن انتظارهم لمولودها، وحددوا مصير الحكم بناء على ذلك، فإن جاء ذكرا تولى الإمامة، وإن كانت أنثى تولى الأمر، وبعد فترة وضعت كنزة مولودا ذكرا سمي إدريس الثاني، وتولى راشد رعايته مع أمه.
لم يتوقف العباسيون عن محاولاتهم، فسعوا للتخلص من راشد بالسم، فنجحوا في ذلك، بينما نجا الطفل الصغير، ومع بلوغه الحادية عشرة من عمره بايعه البربر إماما في جامع وليلي سنة 188 هـ، وبدأ مرحلة جديدة من الحكم.
انتقل إدريس الثاني لاحقا إلى موقع جديد بناء على اقتراح وزيره عمير بن مصعب، وهناك أسس مدينة فاس، وبدأ في تنظيم الدولة وتوسيع نفوذها، وعمل على توحيد القبائل، فدخل كثير من السكان في الإسلام، وتنازلوا عن أراضيهم بعقود شرعية.
بدأ بناء مدينة فاس في أول ربيع الأول سنة 192 هـ، ودعا إدريس الثاني أن تصبح مركزا للعلم والفقه، فتحولت مع الوقت إلى واحدة من أهم الحواضر في العالم الإسلامي.
استمرت الدولة الإدريسية في حكم المغرب قرابة قرنين من الزمن، منذ عام 789 م وحتى نحو 985 م، وترسخت خلالها مكانة فاس كعاصمة علمية وثقافية بارزة، وبقي إدريس بن عبد الله اسما خالدا باعتباره مؤسس أول كيان سياسي مستقل في تاريخ المغرب.



