سيدة بـ 100 رجل.. كل ما تريد معرفته عن «عائشة الحرة» آخر أميرات الأندلس

أميرة جادو
في ممرات غرناطة العتيقة، ومع اقتراب شمس الأندلس من الأفول، لمع اسم امرأة استثنائية حملت على عاتقها عبء الدفاع عن آخر قلاع المسلمين في شبه الجزيرة الإيبيرية، إنها عائشة الحرة، التي لم تكن مجرد أميرة في بلاط بني نصر، حكام آخر المعاقل الإسلامية، بل غدت رمزًا للشجاعة والحزم والشرعية السياسية في زمن الانكسار.
لم تكن عائشة الحرة شاهدًا صامتًا على احتضار غرناطة، بل واجهت مؤامرات القصر، وتصدت للزحف الإسباني المسيحي بصلابة نادرة، وخاضت معركة شرسة لضمان حق ابنها أبي عبد الله الصغير في العرش، في مرحلة اشتدت فيها الصراعات وتنازع الأقارب، وتكالب الخارج والداخل على آخر دولة إسلامية في الأندلس.
امرأة بحجم ملحمة
لا تروي هذه السيرة حكاية امرأة فحسب، بل تسجل ملحمة دفاع عن الأرض والعِرض، وترسم ملامح واحدة من أقوى نساء الأندلس، امرأة خلدها التاريخ وبقيت «دار الحرة» في حي البيازين شاهدًا ماديًا على عظمتها، ومن خلال استحضار سيرتها من بطون المصادر الإسبانية والمغربية، تتجلى دروس الصمود والمقاومة في زمن السقوط.
كما عرفت عائشة الحرة لدى الإسبان بلقب «مادري بوعبديل»، أي أم عبد الله، وكانت أميرة أندلسية ذات نفوذ واسع، وآخر سلطانات غرناطة حضورًا وتأثيرًا، ووالدة آخر ملوكها أبي عبد الله الصغير، كما عاصرت اللحظات الأخيرة لدولة بني نصر، وقادت مقاومة سياسية وعسكرية عنيدة في وجه التهديدات المسيحية، لتخلد في الذاكرة الأندلسية بذكائها وشجاعتها ومواقفها المصيرية.
النشأة والجذور
ولدت عائشة الحرة في غرناطة خلال النصف الأول من القرن التاسع الهجري، ونشأت في أسرة ملكية تعود أصولها إلى محمد بن يوسف بن نصر، المعروف بابن الأحمر، المنحدر من قبيلة الخزرج القحطانية، وكان أجدادها قد استقروا في منطقة جيان شمال بلنسية عقب سقوط دولة الموحدين.
كانت إحدى بنات السلطان محمد الثامن الملقب بـ«الأيسر»، الحاكم الخامس عشر لغرناطة، الذي تولى الحكم أربع فترات متقطعة بين عامي 820 و855هـ. وترعرعت في أروقة قصر الحمراء، ونهلت من الإرث الحضاري والسياسي لمملكة بني نصر، ويرجح أنها أقامت في المغرب أثناء نفي والدها، ما أسهم في تشكيل وعيها السياسي المبكر، وتزوجت من ابن عمها السلطان أبي الحسن علي بن سعد الغالب بالله دعمًا لشرعية حكمه، فغدت شخصية نافذة ومهابة داخل البلاط الغرناطي.
مؤامرات القصر وانقسام البيت النصري
كما يروي المؤرخ المجهول في كتابه «نبذة العصر في أخبار ملوك بني نصر» أن شعبية السلطان أبي الحسن بدأت في التآكل عندما تزوج على عائشة الحرة من أسيرة إسبانية نصرانية تدعى ثريا، فقد تغلغل نفوذها داخل القصر، وسعت لإقصاء ولدي عائشة، محمد ويوسف، عن ولاية العرش لصالح ابنها سعد، الأمر الذي أثار غضب كبار رجال الدولة من بني سراج.
تفاقمت الأزمة حين أقدم السلطان على حبس عائشة الحرة وولديها في برج قمارش، بينما أسكن ثريا بقصبة الحمراء، لتدخل غرناطة مرحلة اضطراب داخلي حاد، تزامنت مع تحولات كبرى في الشمال الإسباني، حيث أدى زواج فرناندو الثاني ملك أراجون من إيزابيلا الأولى ملكة قشتالة عام 1469م إلى توحيد الممالك المسيحية وتوجيه بوصلتها نحو استئصال الوجود الإسلامي من الأندلس.
الهروب والعودة إلى الصدارة
مع تدهور حكم السلطان أبي الحسن وانغماسه في الترف، نجحت عائشة الحرة في الفرار مع ولديها، عبر تشبيك ستائر غرفتها والقفز من أسوار قُمارش، بمساعدة بني سراج.
واتجهت شرقًا إلى المرية ووادي آش، حيث التف حولها أنصار سئموا سياسة السلطان، وانتهى الأمر بعزله وتنصيب ابنه أبي عبد الله محمد بن علي سلطانًا عام 887هـ، لتعود عائشة الحرة سيدة القصر الأولى بلا منازع.
بين الأسر والتحالفات المشبوهة
وبتحريض من أمه، اندفع أبو عبد الله الصغير لمواجهة الإسبان، وحقق بعض النجاحات العسكرية، قبل أن يقع أسيرًا في معركة لوسينا عام 1483م.
وبعد أن أدرك الإسبان قيمته السياسية، أطلقوا سراحه مقابل تحالف خفي لإزاحة عمه الزغل، مقابل تنازلات خطيرة، كان من بينها تسليم غرناطة في نهاية المطاف.
خلال تلك الفترة، سعت عائشة الحرة بكل السبل لاستعادة عرش ابنها، وحاولت إعادة زوجها إلى الحكم مؤقتًا، لكن المرض والشيخوخة أنهيا حياة السلطان أبي الحسن، وانتقل الحكم إلى الزغل، لتدخل المملكة في دوامة صراع أهلي أضعف قدرتها على الصمود.
السقوط الأخير
وعاد أبو عبد الله إلى العرش عام 892هـ بدعم إسباني، بينما انقسمت المملكة إلى شطرين، وبدأت المدن تسقط تباعًا في يد الإسبان.
ومع حلول عام 896هـ، أحكم فرناندو وإيزابيلا الحصار على غرناطة، واشتدت المجاعة، وتعرضت المدينة لقصف عنيف، بينما كانت عائشة الحرة محور المقاومة المعنوية، يلتف الناس حول دارها في البيازين بحثًا عن أمل أخير.
لكن القرار كان قد اتخذ، وسقطت غرناطة رسميًا ليلة 25 نوفمبر 1491م، ووقع أبو عبد الله معاهدة التسليم، مرفقًا بها اتفاقًا سريًا باع بموجبه ممتلكاته مقابل ثلاثين ألف قطعة ذهبية.
في الثاني من يناير 1492م، سلم أبو عبد الله مفاتيح غرناطة، وخرج باكيًا إلى المنفى. وعندما التقى أمه عائشة الحرة، أدارَت وجهها عنه وقالت عبارتها الخالدة:«ابكِ كالنساء ملكًا مضاعًا لم تحافظ عليه مثل الرجال»، لتتحول إلى رمز للعزة ورفض الاستسلام.
غادرت عائشة الحرة الأندلس إلى المغرب عام 898هـ، ويعتقد أنها توفيت في فاس، دون معرفة دقيقة بتاريخ وفاتها أو موضع قبرها.
أما غرناطة، فتحولت مساجدها إلى كنائس، وبدأت مأساة الموريسكيين، ليظل الجرح الأندلسي مفتوحًا في الذاكرة الإسلامية حتى طرد المسلمين نهائيًا من إسبانيا عام 1609م.
وهكذا، بقي اسم عائشة الحرة شاهدًا على زمنٍ قاومت فيه امرأة سقوط أمة، ووقفت شامخة في لحظة انكسار، فخلدها التاريخ رمزًا للكرامة والصمود.



