«البخور».. طقوس لاتنظفئ وتجارة مقدسة في مصر القديمة

أميرة جادو
لم يكن البخور عند المصريين القدماء مجرد عبق طيب أو عنصر هامشي في الممارسات الدينية، بل كان دعامة رئيسية في منظومة حضارية متكاملة امتزجت فيها العقيدة بالاقتصاد والفن، فمن قدس الأقداس في المعابد إلى مسارات التجارة البحرية البعيدة، ومن ورش الصناع إلى شعائر التحنيط، احتل البخور موقعًا مركزيًا عكس حضارة آمنت بالروح، وقدست الجمال، وأحسنت توظيف مواردها.
قداسة العطر في مصر القديمة
كما ارتبط البخور ارتباطًا وثيقًا بالعبادة والطقوس الجنائزية، إلى جانب مكانته كسلعة نفيسة ضمن شبكة تجارة دولية واسعة.
وتؤكد المصادر التاريخية، وعلى رأسها ما ورد في «حجر بالرمو»، أن مصر عرفت استيراد البخور منذ عصر الأسرة الخامسة، بما يعكس عمق هذه التجارة وأهميتها الاستراتيجية المبكرة.
طرق البخور ومناطقه
اعتمد المصريون القدماء على مصادر متعددة للحصول على أجود أنواع البخور، وفي مقدمتها بلاد «بونت» التي يرجح أنها تقع في منطقة الصومال حاليًا، إضافة إلى النوبة وبلاد الشام، وقد حظيت أنواع مثل المرّ والكندر واللادن بقيمة استثنائية، حتى عدت في بعض الفترات أغلى من الذهب، ومن فرط أهميته، سعى المصريون إلى زراعة أشجار البخور داخل حدائق المعابد، في محاولة لتأمينه محليًا وتقليل الاعتماد على الاستيراد.
المباخر.. مرآة الزمن
لم تتجسد مكانة البخور في مادته فحسب، بل انعكست أيضًا في أداة استخدامه، وهي المبخرة، التي تطورت أشكالها عبر العصور حتى بات بالإمكان تمييز الحقبة التاريخية من تصميمها، ففي عصر الدولة القديمة، ظهرت المباخر على هيئة كأس بسيطة، بغطاء أو من دونه.
ومع الدولة الوسطى، تطورت إلى ما عرف بالمبخرة الذراعية ذات المقبض الطويل، وغالبًا ما زينت برأس صقر يتجه إلى الخلف. أما في الدولة الحديثة، فقد شهد التصميم تحولًا واضحًا، حيث اتجه رأس الصقر إلى الأمام نحو موضع النار، بينما اتخذ صندوق البخور شكل زهرة البردي.
وخلال حكم إخناتون، عكس شكل المبخرة التحول الديني، فاختفى الصقر تمامًا وحل محله قرص الشمس «آتون»، تعبيرًا عن العقيدة الجديدة.
عبقرية الصانع المصري
تكشف المباخر عن جانب لافت من براعة الصانع المصري القديم، إذ تنوعت خاماتها بين الفخار والألباستر، وصولًا إلى الذهب والفضة في القطع المخصصة للطقوس الملكية. ومن أروع مظاهر الابتكار الهندسي، ما ظهر في بعض المباخر المعدنية ذات الأذرع، حيث وُضع داخل الذراع قلب من خشب الأبنوس أو العاج ليعمل كعازل حراري، يحمي يد الكاهن من حرارة المبخرة أثناء أداء الشعائر، في سبق تقني يعكس فهمًا متقدمًا لخواص المواد.
سر الأهمية الخالدة
في المعابد، كان البخور جزءًا لا يتجزأ من الطقوس اليومية وتقديم القرابين للآلهة، واحتل دورًا محوريًا في الأعياد الدينية الكبرى مثل عيد «أوبت».
وفي طقوس التحنيط، عد البخور رمزًا للتطهير وسرًا من أسرار الخلود، وأدرج ضمن القرابين المقدمة للمتوفى لضمان سكينة روحه في العالم الآخر.
وهكذا، لم تكن المبخرة في مصر القديمة مجرد أداة طقسية، بل شاهدًا حيًا على تطور الفن والصناعة والتجارة، وعلى فلسفة حضارية جمعت بين تقديس الحياة والإيمان بالآخرة، ومن خلال البخور، عبر المصري القديم عن رؤيته للعالم، حيث تلتقي الروح بالمادة، ويغدو العطر رسالة خالدة عبر الزمن.



