وطنيات

بطولة منسية.. قصة شهداء الكهف العشرة الذين حطموا أسطورة إسرائيل في سيناء

أميرة جادو

بين الاكتشافات الأثرية تبرز ملاحم إنسانية خالدة، وبين دفاتر التاريخ تتجسد بطولات لا يقدر عليها سوى الجندي المصري، ومن بين هذه الصفحات المضيئة، تبرز قصة شهداء الكهف المصري، تلك الحكاية التي تكشف عمق الشجاعة وقوة البسالة، وتؤكد أن بناء العقيدة العسكرية في مصر قائم على إنكار الذات والإخلاص المطلق للوطن.

يقع الكهف محل القصة في قلب صحراء سيناء، ليظل شاهدًا صامتًا على بطولة عشرة من أبطال الجيش المصري، عثر بداخله على هياكلهم العظمية بملابسهم العسكرية الكاملة، وإلى جوارهم أسلحتهم، ورأس مدفع إسرائيلي، فضلًا عن كراس دون فيه أحدهم تفاصيل ما جرى، لتبقى القصة حية تنتقل عبر الأجيال بما تحمله من تضحيات جسيمة سطرت عام 1984.

كهف الشهادة في قلب سيناء

كشفت المعاينة أن الهياكل العظمية كانت مصطفة بعناية لافتة، حيث لم تتجاوز المسافة بين كل هيكل وآخر شبرًا واحدًا، أي نحو 20 سنتيمترًا، وجميعها في اتجاه القبلة، في وضع النوم، ما يعكس يقين الأبطال بقرب الشهادة واستعدادهم لاستقبال الموت بثبات وطمأنينة.

مهمة خلف خطوط العدو

وكانت البداية حين صدرت من قادة الجيش المصري في أبريل عام 1969 لمجموعة من الأبطال بالتوجه إلى منطقة سانت كاترين بسيناء، بهدف تدمير قاعدة صواريخ إسرائيلية، وإحضار أي رأس صاروخ منها لدراسته في القاهرة، وصل الأبطال إلى سيناء في منتصف الليل، وكان برفقتهم كلب مدرب على اكتشاف الألغام، وساروا في الصحراء لمدة ثلاث ساعات متواصلة حتى بلغوا موقع القاعدة الإسرائيلية، التي كانت تعج بالجنود والمعدات.

عملية جريئة ونيران لا تتوقف

سارع الأبطال بزرع العبوات الناسفة حول القاعدة، وفي الوقت ذاته تسلل الملازم أول ميشيل المصري إلى داخلها ليفك رأس أحد الصواريخ تمهيدًا لتسليمه إلى القيادة في القاهرة، ومع عودته بالرأس الصاروخي، دوى انفجار القاعدة الإسرائيلية، لتبدأ بعدها مطاردة شرسة.

لجأ الأبطال إلى كهف سري في الجبل للاختباء، بينما كثف الإسرائيليون عمليات البحث، مستعينين بسلاحهم الجوي الذي قصف المنطقة بالكامل.

أسبوعان في مواجهة الموت

بعد نحو عشرين دقيقة، انشغل الإسرائيليون بإسعاف قتلاهم الذين تجاوز عددهم 800 قتيل، لكن الطيران عاد بعد ساعة ليقصف الجبل مرة أخرى، واستمرت الغارات أسبوعين متواصلين بحثًا عن منفذي العملية.

وخلال تلك الفترة، احتمى الأبطال داخل الكهف دون ماء أو طعام، في اليومين الأولين استشهد اثنان منهم، وفي اليومين الرابع والخامس لحق بهما اثنان آخران، حتى انتهى الأسبوعان وقد ارتقى الأبطال العشرة جميعًا شهداء.

وضعية الوداع الأخير

كما عثر على الشهداء مصطفين في صف واحد، كل منهم يحتضن سلاحه، ويفصل بين الواحد والآخر مسافة 20 سنتيمترًا، وقد رتبوا أجسادهم بعناية لتكون في اتجاه القبلة، وهم في وضع النوم على الجانب الأيمن، في مشهد واحد متطابق، كما تشير المخطوطات التاريخية.

اكتشاف الكهف ونقل الرفات

وفي عام 1984، عثر بعض عرب سيناء على الكهف، وبداخله هياكل الشهداء ومتعلقاتهم العسكرية، إضافة إلى رأس الصاروخ الإسرائيلي. وعلى إثر ذلك، جرى نقل رفات الأبطال إلى مقابر الجيش المصري بمدينة السويس، لتظل قصتهم علامة مضيئة في سجل البطولات، وشاهدًا خالدًا على تضحيات الجندي المصري في سبيل الوطن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى