الزواج للأقارب والذهب للماشية.. حكايات البدو الرحل وحياة لا تعرف الاستقرار

أميرة جادو
على امتداد الطريق الساحلي الممتد من بورسعيد ودمياط والدقهلية، وصولًا إلى بلطيم في محافظة كفر الشيخ، تنتشر خيامهم العامرة، وتحيط بها الأغنام والمواشي، بينما يظهر الأطفال والسيدات بملابسهم الزاهية المطرزة بألوان لافتة، إنهم البدو الرحل، جماعات إنسانية تشكل جزءًا أصيلًا من النسيج الاجتماعي المصري، رغم اختلاف نمط حياتهم، وتمسكهم بعادات وتقاليد تقاوم تغيّر الزمن وتحديات التحديث قدر المستطاع.
هؤلاء لا تقاس ثروتهم بالممتلكات، بل بما يحملونه من فكر نشط وحيوية دائمة، يشبهون في حركتهم النحل الذي لا يتوقف عن الطواف بحثًا عن الكلأ والماء والمراعي الخضراء وبقايا المحاصيل، فالترحال هو قانون حياتهم، والهجرة المستمرة سبيلهم إلى الرزق والعيش الكريم، أما الاستقرار الطويل في مكان واحد فينظر إليه بوصفه خطرًا يفضي إلى الكسل وركود الأحوال.
البدو… مكون أصيل من المجتمع
وفي هذا الإطار، أوضح الدكتور محمد أحمد غنيم، أستاذ الأنثروبولوجيا بجامعة المنصورة، أن البدو يشكلون عنصرًا أساسيًا من عناصر المجتمع المصري، حيث تقوم بنيتهم الاجتماعية في الغالب على القبيلة والعشيرة، مشيرًا إلى أن بعض هذه الجماعات البدوية تعود أصولها إلى شبه الجزيرة العربية، فيما ينتمي البعض الآخر إلى قبائل أولاد علي في الصحراء الغربية، وتتداخل حياتهم اليومية مع أنشطة الفلاحين وسكان الحضر، في علاقات تبادل ومصالح وتجارات متبادلة، مع احتفاظهم بأنماط حياتهم الخاصة، لا سيما في ما يتعلق بالعلاقات الاجتماعية والمصاهرة.
قبائل ممتدة في شمال الدلتا
وقام الدكتور غنيم بإجراء دراسة ميدانية مهمة حول حياة البدو الرحل في محافظتي الدقهلية ودمياط، كشفت عن تنوع انتماءاتهم القبلية، ومن أبرز هذه القبائل «بني داغر» أو «الدواغرة»، المنتشرين في ست محافظات على خط القناة وشمال الدلتا. كما أوضحت الدراسة أنه في محافظة دمياط وحدها توجد خمس قبائل رئيسية تتركز في منطقة كفر سعد، هي: «الجعليين»، و«الخماسين»، و«الدواغرة»، و«العبابدة»، و«الدبيسات».
الرعي والترحال الموسمي
كما تلتزم جماعات البدو الرحل، وفقًا للدراسة، بأنماط اقتصادية محددة، في مقدمتها الرعي داخل الأراضي الزراعية، إلى جانب الإقامة المؤقتة في القرى والمدن الريفية لممارسة بعض الأعمال الوظيفية المرتبطة بالحرف السائدة، ويتبع البدو نمط الترحال الموسمي المرتبط بدورات المحاصيل الزراعية في بداياتها ونهاياتها، ما يجعلهم ينتقلون أكثر من مرة خلال العام.
وقد أدخلت هذه الجماعات أنواعًا جديدة من الحيوانات ضمن نشاط الرعي، فلم يعد مقتصرًا على الماعز والأغنام، بل شمل الجاموس والبقر والحمير، إضافة إلى الطيور، مع بيع منتجاتها. كما يمارسون الزراعة الموسمية، ويتحركون بعد انتهاء الحصاد وجني المحاصيل.
المرأة البدوية… قلب الحياة اليومية
ويمثل الرعي نشاطًا محببًا للمرأة البدوية، إذ يتيح لها الالتقاء بنساء العشيرة، وتبادل الأخبار والخبرات، إلى جانب ممارسة الأشغال اليدوية، مثل التطريز وغزل الصوف المستخدم في صناعة الخيام. وإلى جانب الجمع بين الزراعة والرعي، لا تزال بعض الحرف البدوية التقليدية حاضرة، كصناعة الفخار، والمقاطف المصنوعة من الخوص، والخيام، والملابس.
الأسواق والعادات الصارمة
وفي السياق ذاتهن تشير دراسة الدكتور غنيم إلى وجود أسواق متخصصة في المدن والقرى القريبة من مناطق تمركز البدو، يتعاملون معها في تجارة المواشي والحبوب والخضراوات. وفي المقابل، رصدت الدراسة تحولًا جزئيًا في أنماطهم الاستهلاكية التقليدية، لتقترب من أنماط الاستهلاك السائدة لدى المزارعين في تلك المناطق.
وعلى الرغم من هذا التحول، تظل هناك ثوابت صارمة لا يتهاون فيها البدو الرحل، وفي مقدمتها الزواج والمصاهرة، فالأولوية تكون دائمًا لأبناء العمومة، ثم أبناء أخوة الأم، وهو ما يجعل الزواج داخليًا داخل الجماعة القرابية، ونادرًا ما يتم زواج بدوية من فلاح من خارج الجماعة، حتى إنهم يرددون مثلًا شائعًا يعكس هذا الرفض: «يأخذها التمساح ولا يأخذها الفلاح».
الأغانى والأفراح البدوية
كما ترتبط الأغنية الشعبية البدوية ارتباطًا وثيقًا بمظاهر الحياة البيئية والاجتماعية والدينية والفكرية لدى هذه الجماعات، وتعكس أمثالهم الشعبية خلاصة خبراتهم الحياتية، مع الحفاظ على مفرداتهم اللغوية الخاصة.
أما طقوس الأفراح، فلها طابعها المميز، إذ تنصب خيمة خاصة لتكون مقر الزوجية، ويقتصر أثاث العروس على الحصير والبطاطين ومرتبة واحدة ووسائد وطقم حلل من الألومنيوم وأطباق، إلى جانب الملابس الزاهية الألوان.
وتقيم أسرة العروس خيمة كبيرة في الخلاء لاستقبال الضيوف، حيث يقدم طعام الاحتفال، وتحرص العروس على مشاركة صديقاتها الرقص على أنغام الموسيقى البدوية. وبحسب العادات، تحصل العروس على مهر تشتري به ذهبًا ترتديه في العرس، وتحتفظ به حتى تنجب مولودها الأول، ثم تسلمه لزوجها ليستخدم قيمته في شراء المواشي، إيذانًا ببدء حياة الترحال للأسرة الجديدة.
كما يشير الدكتور غنيم إلى أن دراسته الميدانية ألهمت قناة الدلتا التليفزيونية لإنتاج فيلم تسجيلي عن حياة البدو الرحل، عرض لاحقًا في جامعة جوتينجين بألمانيا ضمن محاضرة حول الثقافات الفرعية في مصر، واحتفظت الجامعة بنسخة منه في مكتبة معهد الدراسات المصرية والعربية.



