يوم الدماء في خليج باتشينتو ملحمة ليبانتو البحرية.. اعرف القصة

في أواخر القرن السادس عشر وصلت الدولة العثمانية إلى ذروة قوتها البحرية والبرية وبسطت نفوذها على مساحات واسعة امتدت من شمال إفريقيا إلى قلب أوروبا الشرقية وسيطرت على طرق التجارة وميزان القوة في شرق المتوسط وفي عام 1570 اتخذ السلطان سليم الثاني قرارا حاسما بغزو جزيرة قبرص التي كانت خاضعة لجمهورية البندقية نظرا لأهميتها الاستراتيجية وموقعها الذي اعتبره العثمانيون قاعدة محتملة للقرصنة وتهديدا مباشرا للسواحل والسفن الإسلامية وبعد حصار طويل وشاق سقطت الجزيرة بالكامل وكان سقوط فاماغوستا في صيف ذلك العام إيذانا بانتهاء الوجود البنادقي فيها.
يوم الدماء في خليج باتشينتو
أثار هذا التحرك رد فعل واسعا في أوروبا فبادر البابا بيوس الخامس إلى الدعوة لتشكيل تحالف مسيحي واسع عرف باسم الجامعة المقدسة وضم البندقية والإمبراطورية الإسبانية بما فيها نابولي وصقلية إضافة إلى الدولة البابوية وجنوة ودوقية سافوي وفرسان مالطة وأسندت قيادة الأسطول المتحالف إلى دون خوان النمساوي الشاب الطموح الذي كان ابنا غير شرعي للإمبراطور شارل الخامس لكنه امتلك حضورا قياديا وقدرة على جمع القوى المختلفة تحت راية واحدة.
في المقابل تولى قيادة الأسطول العثماني مؤذن زاده علي باشا أحد أبرز قادة البحر في الدولة العثمانية بمساندة قادة مخضرمين مثل محمد شيروكو وأولوچ علي وفي السابع من أكتوبر عام 1571 التقى الأسطولان في خليج باتشينتو قرب مدينة ليبانتو المعروفة اليوم بنافباكتوس على الساحل الغربي لليونان في مواجهة ستصبح من أشهر المعارك البحرية في التاريخ.
من حيث العدد كان الأسطول العثماني أكبر إذ ضم ما بين مئتين وثلاثين إلى مئتين وثمانين سفينة غالبيتها من الغاليات الخفيفة والسريعة بينما امتلك التحالف ما يقارب مئتين إلى مئتين وعشر سفن غير أن التفوق النوعي كان في صالح المتحالفين بفضل الغاليونات الكبيرة المجهزة بمدافع جانبية ثقيلة إلى جانب ست غالياسات شكلت عنصر حسم ناري في قلب المعركة ومع تغير اتجاه الرياح قبل الظهر تمكن الأسطول المتحالف من المناورة بفعالية أكبر لتبدأ واحدة من أعنف المواجهات البحرية التي عرفها ذلك العصر.
تحول القتال بسرعة إلى معارك شرسة على أسطح السفن حيث كان الجنود يتقابلون وجها لوجه بالسيوف والرماح ونيران البارود في مشاهد تشبه ساحات القتال البرية أكثر من كونها معركة بحرية وفي قلب المواجهة اشتبكت سفينة القيادة العثمانية مباشرة مع سفينة دون خوان وبعد قتال عنيف قتل علي باشا ما أحدث ارتباكا كبيرا في صفوف الأسطول العثماني وعلى الجناح الأيسر سقط القائد المسيحي أغوستينو بارباريغو قتيلا لكن قواته واصلت القتال وحققت التفوق أما على الجناح الأيمن فقد أظهر أولوچ علي مهارة كبيرة في المناورة وحقق تقدما ملحوظا قبل أن يضطر إلى الانسحاب تحت ضغط تدخل الاحتياطي الإسباني بقيادة ألفارو دي بازان.
انتهت المعركة بانتصار تكتيكي واضح لقوات الجامعة المقدسة حيث دمرت أو أسرت الغالبية العظمى من السفن العثمانية وتراوحت التقديرات بين مئة وسبعين إلى مئتين وثلاثين سفينة كما سقط عشرات الآلاف من القتلى والأسرى من الجنود والملاحين العثمانيين في حين جرى تحرير نحو خمسة عشر ألف أسير كانوا يعملون في التجديف داخل السفن وعلى الجانب الآخر كانت خسائر المتحالفين أقل بكثير إذ فقدوا ما بين أربعين وخمسين سفينة وبلغ عدد قتلاهم ما بين سبعة آلاف وخمسمئة إلى عشرة آلاف.
ورغم قسوة الهزيمة تمكن أولوچ علي من النجاة بجزء معتبر من الأسطول قوامه نحو أربعين إلى خمسين سفينة محتفظا ببعض الغنائم وهو ما حال دون تحول الانتصار إلى ضربة قاضية ولم ينجح التحالف في استثمار تفوقه استراتيجيا إذ بقيت قبرص تحت السيطرة العثمانية وسرعان ما تفككت الجامعة المقدسة بفعل الخلافات والمصالح المتباينة بين أعضائها وخلال أشهر قليلة فقط أعادت الدولة العثمانية بناء أسطول جديد فاق سابقه عددا وتجهيزا في دليل واضح على قوتها الاقتصادية وقدرتها الإدارية والتنظيمية.



