لواء دكتور سمير فرج يكتب: ليلة القبض على رئيس فنزويلا
في فجر يوم الثاني من مايو 2011م، كان المكتب البيضاوي في البيت الأبيض يجمع الرئيس الأمريكي أوباما، وجو بايدن النائب، وهيلاري كلينتون وزيرة الخارجية، وليون بانيتا وزير الدفاع، وباقي مجموعة الرئاسة، يشاهدون القوات الأمريكية وهي تقتحم البيت الذي يختبئ فيه بن لادن في قرية على الحدود الباكستانية الأفغانية، حيث قامت قوات الدلتا بقتله ثم إحراقه ونشر جثمانه في المحيط.
وتكرر المشهد يوم السبت الماضي الثالث من يناير 2026م، في بث مباشر وحي من مقر إقامة الرئيس الأمريكي ترامب في مارا لاغو بولاية فلوريدا، ومعه وزير الدفاع بيت هيغسيث، ووزير الخارجية ماركو روبيو، ومدير المخابرات الأمريكية CIA جون راتكليف، ورئيس الأركان دان كين، ومجموعة القيادة في البيت الأبيض، حيث كان الرئيس الأمريكي يشاهد عملية القبض على نيكولاس مادورو، رئيس فنزويلا.
ويقول الرئيس الأمريكي بعد انتهاء العملية إنه كان يشاهد فيلمًا مثيرًا تنفذه القوات الأمريكية. وفي البداية نقول إن هذه الخطة قد تم الإعداد والتخطيط لها منذ عدة شهور، وكان يدير عملية التخطيط وكالة الاستخبارات الأمريكية، التي كان لها الدور الرئيسي، حيث جمعت كل المعلومات الدقيقة الخاصة بالرئيس مادورو، كما نجحت في تجنيد أحد المقربين له في منزله، فكانت تعلم تفاصيل حياته اليومية حتى أنواع الطعام التي يفضلها.
قوات دلتا
وقد نفذت هذه العملية قوات دلتا (Delta Force) الأمريكية، وهي قوات النخبة التي سبقت أن نفذت جميع العمليات الخارجية الأمريكية، خاصة عمليات تحرير الرهائن والعمليات الخاصة، حيث سبق لها أن قامت بقتل زعيم تنظيم داعش أبو بكر البغدادي في سوريا.
وقد اشتركت في عمليات الصومال عام 1993 في المعركة التي أُطلق عليها سقوط بلاك هوك، كما لعبت دورًا محوريًا في حرب الخليج، وأثناء الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، كما شاركت هذه الوحدة في تعقب الرئيس صدام حسين، ومطاردة أبو مصعب الزرقاوي زعيم القاعدة.
وفي البداية، عندما أصدر الرئيس ترامب أوامره لرئاسة الأركان الأمريكية بتخطيط عملية عسكرية ضد فنزويلا، كان أمام المخطط الأمريكي احتمالان.
الأول: تنفيذ عملية عسكرية شاملة لاحتلال فنزويلا، وقد تم رفضه من البداية، لأن الذاكرة الأمريكية لم تنسَ التدخل في مستنقع فيتنام ثم أفغانستان، مما جعل القيادة الأمريكية تستبعد ذلك المقترح.
وجاء المقترح الثاني، وهو توجيه ضربة سريعة للقيادة العسكرية في فنزويلا، مع تدمير كامل لقوات الدفاع الجوي والقوات الجوية. وهنا ظهر اقتراح: لماذا لا يتم القبض على الرئيس مادورو وزوجته وتقديمهما للمحاكمة في أمريكا، كما حدث من قبل في بنما وخطف الرئيس نورييغا عام 1990 وتقديمه للمحاكمة في الولايات المتحدة.
ضربة كراكاس
وبالفعل بدأ التخطيط للعملية على أساس ضربة سريعة للعاصمة كراكاس، يتم خلالها تدمير القوات الجوية والدفاع الجوي، وإحداث شلل تام في القوات الفنزويلية، ومن خلالها يتم القبض على الرئيس الفنزويلي مادورو وزوجته وترحيلهما إلى الولايات المتحدة الأمريكية لمحاكمته، حيث إنه مطلوب للعدالة الأمريكية، والتي كانت قد رصدت مكافأة قدرها 50 مليون دولار للقبض عليه، بتهمة الاتجار بالمخدرات والأسلحة والتآمر ضد الولايات المتحدة.
وبالفعل بدأ الإعداد للعملية التي أُطلق عليها “القرار القاطع – Operation Absolute Resolve”. وتم بناء مبنى متكامل مشابه للمبنى الذي يعيش فيه الرئيس، لتدريب قوات الدلتا على اقتحامه، بعد معرفة كل التفاصيل عن حياته: أين ينام، وماذا يأكل، وإلى أين يتحرك، وأسلوب نشاطه اليومي، وكل ذلك من خلال العميل الذي كان يعيش داخل البيت نفسه.
وفي فجر يوم السبت 3 يناير، نفذت القوات الأمريكية هذه العملية بضربة جوية واسعة، بقوة 150 طائرة، نفذت فيها القوات الأمريكية سيطرة كاملة على الفضاء الفنزويلي، واستخدمت فيها الذكاء الاصطناعي لأول مرة، حيث عطلت المنظومة الدفاعية الفنزويلية، وتم تدمير جميع الرادارات وقطع الكهرباء عن العاصمة كراكاس.
التكنولوجيا الحديثة
والآن دعونا نتساءل: كيف تستطيع دولة قطع الكهرباء عن عاصمة كاملة لدولة أخرى؟
الإجابة: لقد تم كل ذلك باستخدام التكنولوجيا الحديثة، حيث تعطلت كافة أنظمة الاتصالات والإنذارات، وأعطت الفرصة للقوات الأمريكية بالتحرك في الظلام باستخدام نظارات العمل الليلي؛ فهي ترى كل شيء، بينما العناصر الفنزويلية لا ترى شيئًا.
وبانهيار منظومة القيادة والسيطرة في فنزويلا، انهارت الدولة وقواتها المسلحة، لذلك اعتبرت أمريكا أن الذكاء الاصطناعي كان العقل الذي أدار وأنجح هذه المعركة.
وبعد نجاح القوات الأمريكية في إبطال نظام القيادة والسيطرة والدفاع الجوي، مستخدمين كل أنواع الحرب الإلكترونية والسيبرانية الجديدة، من حيث التشويش والصواريخ المضادة للإشعاع، تقدمت قوات الدلتا، النخبة، إلى مكان مادورو، حيث اقتحمت غرفة نومه، ولم يستطع الوصول إلى الغرفة المحصنة من الفولاذ الملحقة بها، وتم القبض عليه.
وبعدها تم نقله هو وزوجته إلى السفينة الحربية USS إيو جيما، ومنها إلى الولايات المتحدة، حيث سيتم محاكمته مثل رئيس بنما نورييغا، الذي حكم عليه بالسجن 20 عامًا.
ولإذلاله عند وصوله إلى نيويورك، طاف المدينة بعربة مدرعة مصفحة، لكي يرى الجميع الأمريكيين أن الرئيس الفنزويلي تحت الحراسة ويجوب أنحاء نيويورك. وخرج الرئيس الأمريكي يعلن انتصاره، لتصبح بذلك أمريكا هي المسيطرة على أكبر احتياطي نفط في العالم، ويعلن بداية عصر جديد، وهو أن أمريكا تحكم بالقوة بعيدًا عن القوانين الدولية والأمم المتحدة، لكنها كانت رسالة إلى من يهمه الأمر في مناطق أخرى من العالم.
Email: sfarag.media@outlook.com



