تاريخ ومزارات

مادبا مدينة تتقاسمها القلوب قبل الأديان فسيفساء التآخي والسلام

في مادبا تتجلى صورة نادرة من التآخي والمحبة بين المواطنين، صورة تتحول فيها المدينة الى نموذج حي للوئام، حيث تنصهر الاديان في مشهد ايماني اخوي يعكس عمق العلاقة بين الناس، منذ اللحظة الاولى لاكتشاف المدينة يشعر الزائر بحالة الاسرة الواحدة التي تميز ابناء مادبا على اختلاف اديانهم، اولئك الذين نقشوا على جدرانها العتيقة معاني المحبة والسلام واحترام الاخر ومعتقداته، وكرسوا حرمة التعدي عليها كقيمة راسخة لا تقبل الجدل.

تاريخ مدينة مادبا

منذ قرون طويلة تستقبل مادبا، مدينة الفسيفساء والتراث العالمية، الوفود والزائرين من مختلف بقاع العالم، بفضل ما تحتضنه من تنوع ديني واثري وسياحي وطبيعي فريد، ويجد الزائر في مادبا فسحة غنية بالتعدد الثقافي والديموغرافي، تبقى تفاصيلها عالقة في الذاكرة، خاصة ما يتعلق بمفاهيم العيش المشترك والتآلف بين سكانها، الذين ينظرون الى الايمان بالاديان كحق طبيعي لكل انسان، الامر الذي يعزز شعورا دائما بالطمأنينة والسلام والانتماء.

وتضم مادبا مجموعة من المعالم الدينية الاثرية العريقة التي تشكل ركائز اساسية في السياحة الاردنية، ومن ابرزها كنيسة ومزار رأس يوحنا المعمدان النبي يحيى عليه السلام، الواقعة داخل حرم دير اللاتين في تل مادبا الاثري، و تأسست الكنيسة عام 1883، وتعد من اقدم الكنائس في المملكة، حيث استمرت فيها الشعائر الدينية منذ القرن السادس عشر وحتى اليوم دون انقطاع.

وفي عام 1967 اعترف الفاتيكان بالكنيسة الكاثوليكية التابعة لبطريركية القدس كموقع لضريح قطع رأس يوحنا المعمدان، ودعا الزوار والحجاج الى زيارة هذا المزار، الذي يمثل واحدا من اقدم الاماكن المسيحية التي حافظت على طقوسها الدينية في مادبا عبر القرون.

وتحتضن الكنيسة ومتحفها غرفا ذات عقود مقوسة قديمة تعرف بمغارة رأس يوحنا المعمدان، الى جانب غرف اخرى تعرف باسم المنذور، كما يرتفع برج جرس الكنيسة في موقع يعد الاعلى في مادبا، ما يتيح للزائر مشاهدة بانوراما خلابة للمدينة والمناطق المحيطة بها.

كما تحتوي الكنيسة على الاكروبول المعروف بالقلعة، والذي يضم اقبية قديمة وبئرا مؤابية ما تزال المياه تتدفق فيها حتى اليوم، ويمكن النزول اليها عبر درج خاص، بحسب مشرف موقع الكنيسة نادر اليعقوب، الذي اكد ان الكنيسة الكاثوليكية تأسست عام 1880 ككنيسة صغيرة من الحجارة والطين بسقف من الخشب والقصب والتراب، قبل ان تتوسع وتتحول الى الكنيسة الحالية لرعية اللاتين في مادبا، وتصبح من اقدم الكنائس التي لم تنقطع فيها الشعائر الدينية.

ويشير اليعقوب الى ان الكنيسة تضم متحفا يحتوي على مغارة قطع رأس يوحنا المعمدان، وغرفة المنذور، اضافة الى برج الجرس، كما تزخر برسومات وتصاوير جبسية ومنحوتات تجسد محطات من حياة يوحنا المعمدان.

من جانبه يؤكد الباحث حنا قنصل ان مشاهدة الاقبية والانفاق المؤابية الاثرية تحت الكنيسة، والصعود الى جرسيتها عبر السلالم الحديدية المعلقة، تمثل تجربة فريدة ومدهشة، حيث تتجلى مادبا من اعلى نقطة فيها كلوحة مفتوحة على الافق، تتجاور فيها الكنائس مع مآذن مسجد الحسين بن طلال وقبته الذهبية، في مشهد يلخص معنى التسامح، ويستحضر قنصل صورة بليغة حين يصف طيور الحمام التي تهرب من الجرسية عند قرع الاجراس لتلوذ بمئذنة الجامع، ثم تعود عند رفع الاذان لتحط مجددا في الجرسية.

ويسلط قنصل الضوء على الدور الثقافي لمدرسة اللاتين التي انشئت عام 1882، والتي اسهمت في تأسيس نواة الحركة المسرحية في الاردن، فقد شهدت مادبا انطلاقة المسرح منذ عام 1916 على يد الاب البولندي يوحنا نويفيل، الذي جمع ابناء الرعية وقدموا عروضهم المسرحية في الهواء الطلق، ثم تطورت الحركة في عشرينيات القرن الماضي على يد الاب انطوان الحيحي والاب زكريا الشوملي، مرورا بالمؤرخ روكس بن زايد العزيزي، وصولا الى ذروتها في سبعينيات القرن العشرين مع تأسيس فرقة مركز شباب مادبا، التي خرجت اسماء بارزة في عالم الفن، من بينها المخرجان حسين دعيبس واحمد دعيبس، والفنان الراحل فارس عوض، والفنان مروان حمارنة.

ويعيد قنصل التأكيد على ان مادبا مدينة ثقافية عالمية منذ نشأتها، وان خريطة مادبا الفسيفسائية تمثل ارثا انسانيا عالميا، اذ تضم اكثر من ثلاثمئة وخمسين موقعا مرسوما في المدينة.

ويشبه رئيس بلدية مادبا الكبرى السابق المهندس احمد سلامة الازايدة مادبا بمدينة فسيفساء البشر والحجر والتراث، مدينة مسيحية اسلامية متعايشة منذ اكثر من الف واربعمئة عام، حيث انتقلت العلاقة بين ابنائها من مجرد عيش مشترك الى حالة اندماج ووئام، لا ينفصل فيها المسجد عن الكنيسة، وسط خليط حضاري جعل من مادبا محطة دائمة للعابرين بين الشرق والغرب والجزيرة العربية وبلاد الشام.

بدوره يشير مدير اثار مادبا خالد الهواري الى ان وزارة السياحة والاثار تعمل على خطط وبرامج للترويج والتسويق السياحي عبر مسارات متكاملة تضم المواقع الاثرية والسياحية في مادبا ومحيطها، مؤكدا الاهمية التاريخية والحضارية لمزار كنيسة قطع رأس يوحنا المعمدان، الذي يشهد اقبالا متزايدا من الزوار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى