تاريخ ومزارات

أبو الطب اليوناني القديم.. حكاية “أبقراط” أول مؤرخ للأنظمة الغذائية

أميرة جادو

يحتل أبقراط، أبو الطب في اليونان القديمة، موقعًا استثنائيًا في مسار الفكر الإنساني، إذ تكشف مؤلفاته حول الصحة والنظام الغذائي والطبيعة البشرية عن رؤية تتجاوز كونه طبيبًا إلى كونه من أوائل من أرخوا للطعام، فلم يقتصر اهتمامه على تدوين الوصفات أو وصف الأنظمة الغذائية، بل تعمق في تحليل الصلة بين الإنسان وما يتناوله، متتبعًا أصول الأغذية وطرق إعدادها وتأثيراتها المتراكمة عبر الزمن، ليضع بذلك أسس فهم الغذاء بوصفه عنصرًا جوهريًا للصحة وبناء الحضارة.

أصول الغذاء وولادة الطب

أشار “أبقراط”، في كتابه “في الطب القديم”، إلى أن الإنسان لا يستطيع الاعتماد على النظام الغذائي ذاته الذي تعيش عليه الحيوانات الأخرىن فالثيران والخيول وسائر المخلوقات تقتات على نباتات الأرض وثمارها دون أن تعاني من المرض أو تحتاج إلى تدخل علاجي، بينما يختلف حال البشر، فاحتياجاتهم الغذائية تتشكل تبعًا للطبيعة والظروف المحيطة، ومن هنا خلص أبقراط إلى أن “فن الطب” لم يكن ليظهر لو استطاع البشر الاكتفاء بالغذاء الطبيعي البسيط للأرض وحده.

وأكد “أبقراط”، أن الضرورة هي المحرك الأساسي للاختراع، فالطب، شأنه شأن التغذية المركبة، نشأ لأن الأطعمة الخام غير المعالجة لا تلبي متطلبات المرضى أو أصحاب البنية الضعيفة، وهو ما أشار إليه موقع “جريك ريبوت”.

التجربة البشرية وتحويل الطعام

كما تناول “أبقراط”، مسألة الغذاء بفضول علمي منهجي، فتابع كيف قام البشر الأوائل بتحويل الحبوب النيئة إلى أشكال صالحة للاستهلاك تتناسب مع أجسامهم، فقد اعتادوا نقع القمح وطحنه وعجنه وتخميره وتحميصه وخبزه لإنتاج الخبز، بينما صنعوا من الشعير أنواعًا من الكعك.

ولم تكن هذه الممارسات عشوائية، بل جاءت نتيجة تجارب دقيقة ومتراكمة، هدفت إلى تلطيف الأطعمة القوية لتناسب من يعانون ضعف البنية الجسدية، جامعين بين التغذية وفهم حدود الجسد الإنساني.

ومن خلال التجربة والخطأ، توصل الناس إلى معرفة الأطعمة التي تدعم النمو والصحة، وتلك التي قد تسبب المتاعب أو المرض أو حتى الموت.

اختلاف الطبيعة والنظام الغذائي

في نصوصه، أوضح “أبقراط”، التفاعل بين الطبيعة البشرية والنظام الغذائي، مبينًا أن ما يغذي الإنسان القوي قد يثقل كاهل الإنسان الأضعف، فبعض الأشخاص تمكنوا من تناول أطعمة نيئة وخشنة دون ضرر يذكر، بينما أصيب آخرون بالمرض أو واجهوا مخاطر جسيمة عند اتباع النظام نفسه.

وبملاحظة هذه النتائج، طوّر البشر الأوائل أساليب إعداد الطعام تدريجيًا، فجمعوا بين الأغذية، وغيروا طرق طهيها، وعدلوا كمياتها لتلائم اختلاف الأجسام.

كما وصف “أبقراط”، هذه العملية بأنها تراكم طويل ومدروس للمعرفة، قائم على الحاجة والملاحظة الدقيقة، ومن خلال هذا التاريخ التجريبي تطورت التغذية البشرية خطوة بعد أخرى.

الملاءمة الغذائية والصحة

وفي السياق ذاته، شدد “أبقراط”، على مبدأ الملاءمة في النظام الغذائي، معتبرًا أن الطعام يجب أن يتوافق مع الطبيعة الفطرية للإنسان.

فالغذاء السليم يعزز النمو، ويحافظ على الصحة، ويقي من الأمراض، بينما يؤدي الخروج عن هذا التوازن إلى المعاناة، ولهذا جاءت التجارب المبكرة على الحبوب والبقوليات والفواكه والخضراوات نتيجة احتكاكات متكررة مع عواقب سوء التغذية.

ومن خلال تدوين هذه الملاحظات، وثق أبقراط تطور المعرفة الغذائية البشرية، مؤكدًا أن الطعام أداة أساسية للصحة وطول العمر.

البيئة والثقافة وصناعة الغذاء

كما وضع “أبقراط”، تاريخ النظام الغذائي البشري ضمن سياق بيئي وثقافي أوسع، مدركًا أن الإنسان، بخلاف الحيوانات الأخرى، يعيد تشكيل محيطه لتأمين غذاء مناسب.

فهو يزرع الحبوب، ويخمر المشروبات، ويبتكر أساليب طهي تحسن القيمة الغذائية وتيسر الهضم، كما تعكس هذه الممارسات براعة الإنسان وقدرته على التكيف، وتبرز كيف نجح البشر الأوائل في تحويل الموارد الطبيعية إلى أشكال تلبي احتياجاتهم الفسيولوجية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى