مزاب.. قبيلة أمازيغية ازدهرت في قلب الصحراء الجزائرية
أسماء صبحي – في عمق الصحراء الجزائرية وتحديدًا في وادي مزاب بولاية غرداية، تقف قبيلة مزاب (أو بنو مزاب) كنموذج فريد لحضارة استطاعت أن تشق طريقها في بيئة صحراوية قاسية. وأن تبني مجتمعًا قوي التنظيم، متماسك البنية، شديد التمسك بتقاليده الدينية والثقافية.
هذه القبيلة الأمازيغية، التي تعود جذورها إلى قبائل زناتية قديمة. تعد إحدى أبرز التجمعات البشرية في شمال أفريقيا التي حافظت على هويتها عبر أكثر من عشرة قرون من التغيرات السياسية والجغرافية.
أصول قبيلة مزاب
تعود جذور المزابيين إلى الأمازيغ الزناتة، الذين استقروا في مناطق عدة من المغرب الأوسط (الجزائر حاليًا). ومع القرن العاشر الميلادي، اتخذ المزابيون من وادي مزاب موطنًا دائمًا لهم، بعد أن تبنوا المذهب الإباضي الذي أصبح جزءًا أساسيًا من الهوية الدينية والاجتماعية للقبيلة.
تاريخيًا، عرف المزابيون بنظامهم العمراني الفريد، حيث بنوا مدنًا محصنة فوق قمم المرتفعات الصخرية، تشرف على الواحات الزراعية. ومن أشهر هذه المدن:
- غرداية.
- بني يزقن.
- بنوورة.
- مليكة.
- العطف.
- القرارة.
هذه المدن المصنفة اليوم ضمن التراث العالمي لليونسكو تُعد دليلًا حيًا على براعة المزابيين في الهندسة والاقتصاد الاجتماعي، وإدارة الموارد الشحيحة في الصحراء.
المجتمع والتنظيم
يتميز مجتمع بنو مزاب بنظام اجتماعي صارم يعتمد على “العزّابة”، وهي هيئة دينية–اجتماعية تدير شؤون القبيلة. وتضع القوانين التي تنظّم العلاقات داخل المجتمع، سواء في التجارة أو الزواج أو حل النزاعات. أما القيم الأساسية التي تميّز القبيلة فهي:
- العمل الجماعي.
- التقشف والاقتصاد.
- النظام والانضباط.
- التمسك بالتراث والعادات.
هذا التنظيم جعل من المجتمع المزابي واحدًا من أكثر المجتمعات استقرارًا في شمال أفريقيا، حتى في فترات الاضطرابات السياسية.
الاقتصاد والأنشطة الحياتية
رغم البيئة الصحراوية القاسية، نجح المزابيون في تطوير نمط حياة مستدام، يعتمد على:
- الزراعة الواحية مثل التمور والخضروات.
- التجارة التي عرف بها المزابيون في الأسواق الداخلية والخارجية.
- الصناعات التقليدية مثل الحياكة والنسيج وصناعة الفخار.
- الهندسة المعمارية التي أصبحت علامة مميزة للمنطقة.
وقد ساهمت الهجرة الداخلية للمزابيين نحو المدن الكبرى كالجزائر العاصمة ووهران في نشر نشاطهم التجاري وإسهامهم في الاقتصاد الوطني.
اللغة والهوية والثقافة
يتحدث أبناء قبيلة مزاب اللغة الأمازيغية بلهجة تعرف بـ”تامازيغت المزاب“، إلى جانب العربية. كما يشتهر المجتمع المزابـي بتمسّكه بالزي التقليدي، والاحتفالات الخاصة مثل المواسم الدينية الإباضية.
وتعد المدارس القرآنية (المحضرات) من أهم المؤسسات التي حافظت على الهوية الثقافية للقبيلة. حيث يتلقى فيها الأطفال تعليمًا دينيًا ولغويًا صارمًا.
المزابيون في التاريخ الحديث
برز أبناء هذه القبيلة في مجالات متعددة خلال القرنين الماضيين، خاصة في:
- الاقتصاد.
- التعليم.
- الإصلاح الاجتماعي.
- الحركة الوطنية الجزائرية.
كما برزت شخصيات مزابية معروفة على المستوى السياسي والفكري وأسهمت في الدفاع عن الهوية الجزائرية ضد الاستعمار الفرنسي.
ويقول الباحث في التاريخ الاجتماعي المغاربي الدكتور يوسف بوشوشة، إن قبيلة مزاب تمثل نموذجًا حضاريًا نادرًا في شمال أفريقيا. فهي مجتمع استطاع أن يحافظ على توازنه الداخلي لقرون، بفضل نظام اجتماعي محكم جعل من الانضباط قيمة مركزية.
ويضيف: “العمارة المزابية ليست مجرد مباني بل هي تعبير عن فلسفة حياة كاملة، توازن بين الروحانية والإنتاج، وبين البيئة الصحراوية ومتطلبات العيش”.



