قبيلة الجبارات جذورها اليمانية ورحلة التاريخ من مأرب إلى فلسطين
تعود أصول قبيلة الجبارات إلى قبيلة جذام اليمنية، التي هاجرت من اليمن بعد انهيار سد مأرب، واتجهت شمالا حتى استقرت في الحجاز، وكان عددها في ذلك الوقت يقارب 640 نفسا، بقيادة الأخوين الدقس وذيب، حيث أقامت القبيلة في أرض الحجاز مدة ثلاث وعشرين سنة، ويحمل اسم الدقس دلالات لغوية متعددة في معاجم الأسماء، إذ يعني الملك، ويأتي بمعنى عمود السفينة الرئيسي، كما يطلق على حجر كريم نادر يوجد في البحر ويعد من أثمن الأحجار الكريمة.
تاريخ قبيلة الجبارات
بعد سنوات الاستقرار في الحجاز توفي الأخوان الدقس وذيب، وكان للدقس ابن يدعى جاه، فتولى قيادة القبيلة بعد والده، لم تستقر نفس جاه بأرض الحجاز، فقرر الرحيل غربا باتجاه الشمال برفقة أبناء عمه من ذرية ذيب، فكان لهم ما أرادوا، وحطت القبيلة رحالها في أرض سيناء، حيث نشأ حلف قوي بينها وبين قبيلة السواركة، واتحدت القبيلتان في تلك الديار قرابة ثمانية عشر عاما.
ومع تقدم جاه بن الدقس في السن، رأى أن أرض سيناء تشبه أرض الحجاز التي غادروها من قبل، فاقترح البحث عن أرض أكثر خصوبة واستقرارا، تم الاتفاق على إرسال أربعة عشر فارسا من أبناء القبيلة، بقيادة جاه وأبناء عمومته من ذرية ذيب، لاستطلاع الأرض شمالا في فلسطين، انطلق الفرسان بالفعل، حتى وصلوا إلى منطقة تقع شمال مدينة بئر السبع، وشرق شمال مدينة غزة بنحو أحد عشر كيلومترا، فأعجبتهم الأرض لما فيها من مراعي واسعة، وعشب وفير، وعيون ماء، وواد كبير يحدها من الجنوب الشرقي يعرف بوادي الحسي.
كانت تلك الأرض الخصبة مأهولة بعائلتين رئيسيتين هما عائلة الأمير أبوكشك، وعائلة السالمي، إضافة إلى بعض العائلات الأخرى، وعند وصول فرسان الجبارات، توجهوا إلى قيادات تلك العائلات وطلبوا السماح لهم برعي مواشيهم في الأرض، إلا أن الطلب قوبل بالرفض القاطع، ووقع تلاسن بين الطرفين تطور إلى اشتباك محدود غير متكافئ، أسفر عن مقتل أحد فرسان الجبارات، عاد الفرسان بعدها إلى سيناء، ليجدوا أن جاه بن الدقس قد توفي رحمه الله.
انتقلت قيادة القبيلة بعد ذلك إلى ابنه مثـراد بن جاه بن الدقس الجذامي، وكان شابا فارسا مقداما لا يشق له غبار، قص عليه الفرسان ما شاهدوه من أرض خصبة في فلسطين، وبعد تفكير طويل استقر رأيه على التوجه إليها، غير أن الخلاف دب بين رجال القبيلة، حيث فضل بعضهم التوجه إلى شرق الأردن بدلا من فلسطين، وبعد ثلاث سنوات رحل من اختاروا شرق الأردن فعلا، وكان من ذريتهم من يعرف اليوم بعشيرة الجبور من قبيلة بني صخر، بينما اتجه آخرون إلى الأنبار في غرب العراق، وانتقل بعضهم إلى سوريا واستقروا في مدينتي حلب وحماة، ولا تزال عائلات من الدقس معروفة هناك حتى اليوم.
أما القسم الذي بقي في سيناء، فكان بقيادة مثـراد بن جاه بن الدقس الجذامي، وبلغ عددهم في ذلك الوقت نحو 488 نفسا، تحركت القبيلة نحو الأرض الموعودة شمالا، تسير أياما وتستريح أياما، حتى وصلت إلى المنطقة المنشودة، عندها دارت معركة عنيفة بين قبيلة الجبارات بقيادة مثـراد، وبين العائلات التي كانت تسكن الأرض، وعلى رأسها عائلة الأمير أبوكشك وعائلة السالمي ومن معهم، أسفرت المعركة عن مقتل خمسة وأربعين رجلا واثنتي عشرة امرأة من تلك العائلات، بينما فقدت قبيلة الجبارات ستة فرسان وامرأتين.
بعد هذه المعركة رحلت العائلات المهزومة باتجاه شرق يافا، وانتقل بعضها إلى شرق مدينة القدس، بينما استقرت قبيلة الجبارات في أرضها الجديدة، ومع مرور الزمن انضمت إليها عائلات قليلة من مصر ومن قبائل أخرى، فأصبحوا منها وهي منهم، أما من لم يكن ضمن هذه الرحلة الطويلة الشاقة، فليس من صلب القبيلة، مع التأكيد على الاحترام والتقدير لجميع من انضموا إليها، ولكافة القبائل العربية دون استثناء.
وقد جرى اختصار الكثير من تفاصيل هذه القصة الطويلة لكثرة أحداثها وتشعب مراحلها، وتعتمد هذه الرواية على معلومات واردة في كتاب خاص بتاريخ قبيلة الجبارات، عثر عليه في مكتبة الكويت الوطنية عام 1983، إلا أن تعذر نسخه حال دون الاحتفاظ به، لكونه كتابا قديما مكتوبا بحبر الكوبيا، ومختوما في نهايته بختم كاتب ألماني يدعى روتشيلد هنن، الأمر الذي ترك أثرا من الحزن والأسف، وتبقى قبيلة الجبارات واحدة من القبائل العربية العريقة، التي سطرت تاريخها بالترحال والصبر والشجاعة، ونعم بجميع القبائل العربية.



