قلعة صلاح الدين الأيوبي.. حصن التاريخ الذي صمد في وجه الزمن
أسماء صبحي– تعد قلعة صلاح الدين الأيوبي في القاهرة واحدة من أبرز المعالم التاريخية التي تحكي قصة قوة ونفوذ الدولة الأيوبية. وهي شاهد حي على عبقرية التخطيط العسكري والعمارة الإسلامية في العصور الوسطى. فهذه القلعة التي تتربع على هضبة المقطم منذ أكثر من ثمانية قرون لم تكن مجرد حصن دفاعي. بل كانت مركزًا للحكم والإدارة وموطنًا للجيش مما جعلها قبلة للباحثين في التاريخ والعمارة على حد سواء.
تأسيس قلعة صلاح الدين الأيوبي
بدأ بناء القلعة في القرن الثاني عشر على يد القائد صلاح الدين الأيوبي الذي كان يدرك أهمية إنشاء حصن قوي يحمي القاهرة من الهجمات الصليبية المتكررة. وقد اختار موقعها بعناية فائقة حيث يمنح المرتفع الصخري رؤية واسعة للعاصمة ومحيطها. مما يتيح مراقبة أي تحركات عسكرية من مسافات بعيدة.
استمرت أعمال البناء عدة سنوات تولى فيها عدد من قادة الدولة الأيوبية متابعة تفاصيل التشييد. إلى أن أصبحت القلعة واحدة من أقوى الحصون في المنطقة. ومع انتقال الحكم إلى المماليك، ازدادت أهميتها بعدما أصبحت عاصمة سياسية وعسكرية لهم. وشهدت داخل أسوارها أحداثًا مفصلية أثرت في مسار التاريخ المصري والعربي.
عمارة تحمل بصمة العصور المتعاقبة
ما يميز القلعة أنه لا يمكن نسب معمارها إلى عصر واحد بل هي نتاج مراحل متعددة تركت كل منها طبقتها المعمارية الخاصة. وفي قلب القلعة تقع “جامع محمد علي” ذو القباب البيضاء والمآذن الشامخة وهو أحد أشهر المعالم التي تُعرف بها القلعة عالميًا. وبني المسجد في القرن التاسع عشر على الطراز العثماني وأصبح رمزًا بصريًا يربط بين القاهرة القديمة والحديثة.
كما تضم القلعة عددًا من الأبراج الدفاعية، أبرزها البرج الكبير الذي كان يستخدم لمراقبة الأفق والإنذار المبكر. ولا تزال آثار التحصينات والأروقة الحجرية تحمل بصمات المهندسين الأيوبيين والمماليك والعثمانيين. الذين أضاف كل منهم ما يلائم عصره واحتياجاته العسكرية.
مركز للحكم ومسرح لصراعات السلطة
على مدار تاريخها الطويل، شهدت قلعة صلاح الدين لحظات سياسية فارقة. ففي عهد المماليك، كانت القلعة مقر السلطنة ومركز اتخاذ القرار، ومنها كانت تصدر الأوامر إلى الولايات التابعة للدولة. كما كانت محطًا لعدد من الصراعات على الحكم، حيث شهدت أسوارها صراعات دامية بين أمراء المماليك على السلطة.
ومع دخول العثمانيين مصر، أصبحت القلعة مقرًا للولاة، ثم اكتسبت دورًا إداريًا وعسكريًا أقل مقارنة بالعصور السابقة. لكنها ظلت مركزًا مهمًا للدولة حتى القرن التاسع عشر، عندما بدأ انتقال مؤسسات الحكم إلى القاهرة الحديثة.
في الوقت الحاضر، تمثل القلعة أحد أهم المقاصد السياحية في مصر والعالم العربي. فهي تجذب آلاف الزوار سنويًا بفضل ما تضمه من متاحف عسكرية وتاريخية، من بينها متحف الشرطة والمتحف الحربي. اللذان يوثقان مراحل تطور القوات المسلحة المصرية وتاريخ الأمن في الدولة.
وتوفر القلعة إطلالات بانورامية على القاهرة القديمة والحديثة، حيث تظهر القباب والمآذن والأسطح المتشابكة في مشهد يعكس التداخل الفريد بين التاريخ والواقع. كما أصبحت القلعة موقعًا لإقامة احتفالات رسمية وعروض ثقافية تعزز قيمتها كمركز حضاري حيّ يتفاعل مع المجتمع المعاصر.
أعمال الترميم والمحافظة على التراث
شهدت السنوات الأخيرة تنفيذ مشروعات واسعة لترميم أجزاء من القلعة وإعادة تأهيل منشآتها التاريخية بهدف الحفاظ على هويتها المعمارية. وتم ترميم جدران الدفاع القديمة، وتجديد الساحات الداخلية وإعادة فتح عدد من القاعات التي كانت مغلقة لسنوات طويلة.
وتهدف هذه الجهود إلى إعادة إحياء المكان ليقترب من شكله التاريخي قدر الإمكان، مع الحفاظ على الصبغة العمرانية التي اكتسبها عبر القرون. كما تدرس حاليًا خطط لزيادة المساحات المفتوحة للزوار وتطوير المسارات السياحية بما يتناسب مع أهميتها العالمية.



