رحلة الشوكة عبر التاريخ.. من فضيحة بيزنطة إلى موائد العالم

في عالمنا الحالي، يعتبر استخدام الشوكة أمرًا طبيعيًا لا يثير الانتباه، غير أن هذه الأداة اليومية التي انطلقت أولاً من الأناضول البيزنطية، كانت تُقابل في الماضي بريبة واستنكار أخلاقي، وقد استغرق الأمر قرونًا طويلة من النفوذ الملكي، والمقاومة الثقافية، وتغير عادات الطعام، قبل أن تنتقل من قصور القسطنطينية إلى موائد أوروبا كافة.
بدايات متواضعة
أظهرت الاكتشافات الأثرية أن أشكالًا مبكرة من الشوكات وجدت في الصين القديمة ومصر الفرعونية، لكنها استخدمت للطهي والتقديم أكثر من تناول الطعام، كما استخدم الرومان شوكًا برونزية وفضية، لكنها لم تكن شائعة كأداة شخصية للأكل.
فضيحة في بيزنطة
وفي القرن العاشر، بدأ البلاط البيزنطي باستخدام شوك صغيرة شخصية على المائدة، وهو ما صدم الزوار الغربيين.
وفي عام 1004، أثارت النبيلة ماريا أرجيروبولينا فضيحة في البندقية حين رفضت الأكل بيديها، مفضلة شوكة ذهبية أنيقة.
وقد وصل الأمر إلى أن اللاهوتي بيتر داميان اتهمها بالغرور، معتبرًا موتها المبكر عقابًا إلهيًا، ورغم الجدل، أصبحت الشوكة جزءًا راسخًا من ثقافة الطعام البيزنطية.
إيطاليا تقود التحول
وخلال القرن الرابع عشر، انتشرت الشوكة في إيطاليا، خصوصًا مع صعود شعبية طبق المكرونة، أصبحت الشوكة رمزًا للرقي وآداب المائدة بين العائلات الثرية، ومن هناك، بدأت رحلتها البطيئة عبر أوروبا، مدفوعة بالزواج الملكي والتبادل الثقافي.
وفي عام 1518، دخلت بونا سفورزا، القادمة من عائلة ميلانو ونابولي القوية، بلاط بولندا وليتوانيا بعد زواجها من الملك سيجيسموند الأول، ومعها جلبت آداب المائدة الإيطالية واستخدام الشوكة، إلى جانب إدخال أطعمة جديدة كالنبيذ والخضراوات. ومع مرور الوقت، تبناها النبلاء وانتشرت تدريجيًا حتى أصبحت مألوفة في القرن السابع عشر.
وعندما تزوجت كاثرين دي ميديشي من الملك هنري الثاني عام 1533، حملت معها الطهاة الإيطاليين والشوك الفضية إلى البلاط الفرنسي، وبإشرافها، تحولت الوجبات إلى عروض فنية راقية، وغدت الشوكة مرتبطة بالأناقة والترف، رغم المبالغات التي أحاطت بدورها التاريخي.
مقاومة في إنجلترا
وفي بداية القرن السابع عشر، ظل الإنجليز يسخرون من الشوكة، معتبرين استخدامها نوعًا من الادعاء، فقد عاد الكاتب توماس كوريات من إيطاليا وهو يصف استخدامها، فكان مثار تهكم بين مواطنيه.
ومع ذلك، وفي بقية أوروبا، ارتبطت الشوكة بالكياسة، وظهرت أنواع متخصصة منها للخبز والسمك وحتى للآيس كريم في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر.
من رفاهية إلى ضرورة
بحلول القرن التاسع عشر، جعل الإنتاج الصناعي للشوك المصنوعة من الفولاذ المقاوم للصدأ هذه الأداة متاحة للجميع، وهنا تحول النقاش من جدوى استخدامها إلى طرق استعمالها الصحيحة.
من البلاط البيزنطي إلى موائد المنازل الحديثة، تكشف رحلة الشوكة الطويلة كيف تتطور العادات والتقاليد الثقافية، واليوم، يصعب تخيل تناول الطعام دون هذه الأداة التي كانت يومًا مثار جدل ورفض شديد.



