تاريخ ومزارات

“حرب العصابات في الصعيد” حين اشتعلت الأرض في وجه الحملة الفرنسية

 

كتبت شيماء طه

حين نذكر الحملة الفرنسية على مصر (1798–1801)، غالبًا ما تتجه الأنظار إلى القاهرة والدلتا، لكن هناك في الجنوب، في الصعيد، اشتعلت مقاومة مختلفة ، حرب عصابات مصرية صافية لم تعرف الرايات النظامية، بل عرفت الإيمان بالأرض والكرامة.
في الأزقّة الضيقة والجبال الصخرية، وقف الفلاحون والشيوخ والتجار في وجه جيش مدجّج بالسلاح.

كانت المقاومة في الصعيد نارًا تحت الرماد، اشتعلت بالإيمان أكثر مما اشتعلت بالبارود.

الخلفية التاريخية: الصعيد يواجه نابليون

عندما دخلت القوات الفرنسية بقيادة نابليون بونابرت مصر سنة 1798، واجهت مقاومة شرسة من الشعب المصري، خاصة في الصعيد.
كان الفرنسيون يعتقدون أن الجنوب سيخضع سريعًا، لكنهم فوجئوا بقبائل وجماعات محلية تُدير حرب استنزاف حقيقية ضدهم، بعيدًا عن الجيوش النظامية.

من قنا إلى أسيوط وسوهاج وإسنا، تحولت القرى إلى جبهات قتال، يقودها رجال بسيطون لكن قلوبهم كأنها مدافع.

دهاء الصعايدة وتكتيكات الحرب

المقاومون في الصعيد ما كانوش بيواجهوا العدو وجهًا لوجه، لكنهم استخدموا أساليب ذكية تعتمد على المباغتة، والتخفي، وضرب الإمدادات.
كانوا يهاجمون القوافل الفرنسية ليلًا، ثم يختفون بين الجبال والوديان.
استغلوا معرفتهم الدقيقة بطبيعة الأرض، فحوّلوا الصحراء والحقول إلى مصيدة للغزاة.
حتى النساء شاركن في القتال من وراء الستار، بنقل الطعام والسلاح والمعلومات، وكانت الوشاية بالفرنسيين خيانة لا تُغتفر بين أبناء الصعيد.

ومن أشهر المناطق التي اشتعلت فيها هذه المقاومة فرشوط التي تحولت إلى مركز لثوار الصعيد وقنا التي شهدت معارك طاحنة ضد القوات الفرنسية وإسنا التي كان فيها صمود بطولي أجبر الفرنسيين على الانسحاب.

رموز المقاومة: الفلاحون قادة بلا ألقاب

المقاومة الشعبية  هناك في الجنوب لم تكن بقيادة ضباط أو ساسة، بل خرجت من قلب الناس حيث ظهر قادة محليون من الفلاحين والعمد والمشايخ، نظموا صفوف الأهالي دفاعًا عن الكرامة والدين ومن أشهرهم الشيخ محمد كريم في الإسكندرية الذي ألهم الجنوب بصموده، ثم مشايخ قنا الذين أقسموا ألا يدخل الفرنسيون قراهم أحياء.

كما كانت هذه المقاومة صرخة وطنية خالصة سبقت الثورة الحديثة بمئة عام، ورسّخت فكرة أن المصري البسيط لا يُهزم إذا دافع عن أرضه.

 

فشلت فرنسا في إخضاع الصعيد بالكامل، وتكبّدت خسائر فادحة في الرجال والعتاد.
أدرك بونابرت أن الجنوب المصري لا يُحكم بالمدافع، بل بالعزيمة والإيمان، فانسحب تدريجيًا من كثير من المناطق.
حرب العصابات في الصعيد كانت أول درس أوروبي في أن الاحتلال لا يصمد أمام الشعب، وأن روح المقاومة أقوى من الجيوش.

اللي حصل في صعيد مصر مش مجرد معارك، دي كانت انتفاضة الكرامة.
رجال بجلابيبهم البسيطة وأيديهم الخشنة واجهوا جيش نابليون، وكتبوا سطورًا من نار وحب للأرض.
ويمكن التاريخ نسي أسماءهم، لكن رائحة البارود لسه في الجبال، وصدى صيحاتهم لسه بين النخيل.
الصعيد ما كانش مجرد جغرافيا، كان ضمير الوطن لما حاولوا يحتلوه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى