قبيلة زعير: تاريخ ممتد وهوية راسخة في قلب المغرب
أسماء صبحي – قلب الهضبة الوسطى للمغرب حيث تتقاطع الجغرافيا بالتاريخ وتتمازج الثقافات. برز اسم قبيلة زعير كواحدة من أهم القبائل العربية التي لعبت أدوارًا بارزة عبر القرون. وهذه القبيلة التي تنحدر من أصول عربية معقلية وهلالية شكلت جزءًا أساسيًا من الهوية القبلية في المغرب. وأسهمت في صياغة المشهد الاجتماعي والسياسي والثقافي للمنطقة. واليوم، ورغم التحولات الكبرى التي يعرفها المجتمع المغربي ما تزال قبيلة زعير تحتفظ بمكانتها، محافظة على موروثها وتقاليدها ومشاركة في مسار التنمية الوطنية.
أصول قبيلة زعير
يرجع المؤرخون أصول زعير إلى العرب الذين وفدوا إلى شمال أفريقيا ضمن الهجرات الكبرى في القرن الحادي عشر الميلادي. وتحديدًا، تنحدر من أصول هلالية ومعقلية وهو ما يجعلها جزءًا من الموجات العربية التي ساهمت في تعريب المغرب وتعزيز الطابع العربي الإسلامي فيه. وخلال القرون الأولى لاستقرارها شكلت القبيلة قوة اجتماعية ذات نفوذ، واعتمدت على الزراعة والرعي كأساس للعيش.
من الناحية الجغرافية، تنتشر أراضي القبيلة على مساحة واسعة تقدر بحوالي عشرة آلاف كيلومتر مربع تقريبًا. تشمل أجزاء من إقليم الخميسات ومناطق مجاورة للعاصمة الرباط وسلا وتمارة. وهذا الامتداد جعلها دائمًا قبيلة ذات موقع استراتيجي مهم، تتوسط طرق القوافل والمراكز الحضرية.
البنية القبلية
تنقسم زعير إلى عدة فروع أو أقسام رئيسية، من أبرزها الكفيان والمزارعة، وكل فرع يتكون من بطون وأسر لها مكانتها الخاصة. وهذا التوزع لم يلغي ةلوحدة القبلية العامة بل على العكس جعل منها كيانًا واسعًا قادرًا على التكيف مع المتغيرات. وقد لعبت الروابط العائلية والولاءات القبلية دورًا كبيرًا في الحفاظ على تماسكها خاصة في فترات الاضطراب السياسي.
الحضور التاريخي والسياسي
كان للقبيلة دور بارز في مختلف المحطات التاريخية التي مر بها المغرب. فقد واجهت القبيلة شأنها شأن غيرها من القبائل المغربية محاولات السيطرة من القوى الاستعمارية. وشارك أبناؤها في المقاومة ضد الاستعمار الفرنسي سواء بشكل مباشر عبر المواجهة المسلحة أو عبر الدعم اللوجستي والمجتمعي.
كما كان لها دور في دعم السلطات المركزية في فترات معينة، حيث شكلت حزامًا بشريًا وعسكريًا في محيط العاصمة. وهذا الموقع جعلها دائمًا محل اهتمام الحكومات المتعاقبة باعتبارها قوة اجتماعية لا يمكن إغفالها.
الحياة الاقتصادية والاجتماعية
كانت الأنشطة الاقتصادية لدى قبيلة زعير تقليديًا قائمة على الفلاحة وتربية الماشية. فالأراضي الخصبة في الهضبة الوسطى ساعدت على إنتاج محاصيل متنوعة كالقمح والشعير إلى جانب الاهتمام بتربية الأغنام والأبقار. ومع مرور الوقت خصوصًا بعد الاستقلال بدأ أبناء القبيلة ينخرطون في مجالات جديدة، مثل التجارة، الوظائف الحكومية، والهجرة إلى المدن الكبرى.
رغم ذلك، ما تزال الهوية الفلاحية والبدوية جزءًا أصيلًا من صورة زعير. فالأسواق الأسبوعية في مناطقها تشهد حيوية خاصة، حيث تُعرض المنتجات الزراعية والماشية، وتُعتبر ملتقى اجتماعيًا وثقافيًا لأبناء القبيلة.
التقاليد والعادات
تزخر زعير بتراث غني من العادات والتقاليد. ومن أبرزها الاحتفالات الشعبية المرتبطة بالمناسبات الدينية والوطنية. إضافة إلى فن التبوريدة (الفروسية التقليدية) الذي يشكّل رمزًا للفروسية والشجاعة. كما أن الشعر الشعبي والحكايات الشفوية تعد من الموروث الثقافي الذي يعكس تاريخها وصراعاتها وتحالفاتها.
الزي التقليدي أيضًا جزء من الهوية حيث ما يزال كبار السن يحافظون على ارتداء الجلباب والبرنس في المناسبات. بينما تحرص النساء على إبراز اللمسة القروية الأصيلة في أزيائهن التقليدية.
ويقول الدكتور عبد السلام العمراني، الباحث في تاريخ القبائل المغربية، إن قبيلة زعير مثال حي على قدرة القبائل العربية على التكيف مع الزمن. فهي تجمع بين جذور عربية قديمة وموروث محلي مغربي وقد لعبت دورًا محوريًا في تاريخ المنطقة الممتدة بين الرباط والهضبة الوسطى. واليوم، ورغم التحديا ما تزال القبيلة محافظة على خصوصيتها وتشكل رافدًا مهمًا في النسيج الاجتماعي والاقتصادي للمغرب.



