تاريخ ومزارات

كيف تحولت شوارع القاهرة من متاهة بلا عناوين إلى مدينة مرقمة بالأسماء واللوحات

في قلب القاهرة القديمة قبل عام 1847 كانت الأزقة متشابكة كأنها خيوط نسيج عتيق بلا أسماء ولا عناوين، وكان الغريب يضيع في دروبها باحثا عن قريب أو صديق، يسأل المارة عن بيت فلان أو دار علان، فيمضي ساعات طويلة بين الطرقات وربما يعود في النهاية خائبا من غير أن يعثر على ضالته، عانى الأهالي كثيرا وتكررت شكواهم، حتى علت أصواتهم مطالبة بحل ينهي هذه المعاناة.

 

كيف تحولت شوارع القاهرة من متاهة بلا عناوين إلى مدينة مرقمة

في تلك الفترة أدرك مجلس منظمة المحروسة الذي كان يمثل قلب القاهرة أهمية المشكلة، فرفع أعضاؤه الأمر إلى الوالي محمد علي باشا مع توصية واضحة بضرورة تسمية الشوارع وترقيم المنازل لتسهيل حياة الأهالي والزائرين، استجاب الوالي سريعا وأصدر مرسوما تاريخيا نشر في العدد 83 من جريدة الوقائع المصرية، نص على إطلاق أسماء على الشوارع ووضع أرقام على البيوت، مؤكدا أن هذه الخطوة تجلب المنافع الكبيرة وتيسر الوصول إلى أي شارع أو منزل سواء كان الباحث من السكان أو من الزوار.

باشر رجال المجلس تنفيذ المرسوم بسرعة، فاختاروا ميدان باب الخلق ليكون مركز الانطلاق، ومن هناك بدأوا بوضع اللافتات على مداخل الشوارع، ولأن الأمية كانت منتشرة بين الناس جعلوا اللوحات ملونة حتى يسهل تمييزها، فكان شارع يحمل لوحة سوداء وآخر لوحة بيضاء، أما المنازل فقد رقمها القائمون بعناية حيث خصصوا الأرقام الفردية للبيوت الواقعة على يمين الشارع، والأرقام الزوجية لتلك الموجودة على يساره، وهو النظام الذي ما زال معمولا به حتى يومنا هذا، وقد كتبت الأرقام على أبواب البيوت لتكون دليلا واضحا للجميع.

كما حملت الشوارع أسماء مستوحاة من حكايات الناس وذكرياتهم، فاختاروا أسماء مؤسسي الأحياء أو أبرز معالمها، لتصبح الشوارع سجلا يروي قصص المكان وسكانه، وبذلك تحولت القاهرة من متاهة بلا ملامح إلى مدينة منظمة تعرف شوارعها بأسمائها وأرقامها، في خطوة غيرت حياة الناس وجعلتها أكثر سهولة وجمالا لكل من تطأ قدماه أرضها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى