عندما تثور الصحراء: حكاية ناقـة قتلت صاحبها

في قرية سيدي علي الكراتي الواقعة بين هضاب الصويرة المغربية التي تغمرها الغابات وتتناثر بين جنباتها الأشجار الخضراء، حيث تتمايل الأغصان في صمت، عاش رجل سبعيني يُدعى أحمد حياة بسيطة وهادئة برفقة ناقته التي لم تفارقه يوما، ناقـة عرفها الجميع بوفائها وعينيها العميقتين، ظلت تسير بجانبه في كل رحلاته، تحمله وتحمل أعباء يومه، وتعتني بصغيرها بحنان نادر.
حكاية ناقـة قتلت صاحبها
مرت الأعوام وظلت العلاقة بين أحمد وناقته متينة، حتى جاء ذلك اليوم الذي بدد كل هذا الاستقرار، حين قرر أحمد أن يستجيب لطلب أحد الجزارين في القرية، فذبح صغير الناقة ليقدمه طعاما لأهل البلدة، لم يتوقع الرجل أن هذا القرار سيطلق شرارة الغضب الدفين في قلب الحيوان الذي أحبه يوما، في لحظة صيفية حارقة، التقطت الناقة مشهدا لن تنساه، نظرت لعيني صغيرها المذبوح بين يديه، وانقلب سكونها إلى عاصفة لا تهدأ
لم يكن أحمد غريبا عن القسوة، فقد كان أحيانا يعنف الناقة في لحظات ضيقه، ومع ذلك صبرت، لكن تلك الحادثة كانت كافية لتشعل في قلبها جمرا ظل مختبئا لسنين، فهاجت بقوة لم يسبق لها مثيل، وهاجمت أحمد فجأة، غرست أسنانها في جسده بعنف، وسقط الرجل غارقا في دمائه، حاول أهالي القرية التدخل وإنقاذه، لكن جرحه كان أعمق من أن يُحتوى، وما إن وصل إلى مستشفى الصويرة حتى لفظ أنفاسه الأخيرة، دون أن يعرف أحد ما إذا كان قد فهم لحظة انتقامها أم لا
تناقلت القرية الخبر بدهشة، وتحولت القصة إلى حديث الصباح والمساء، تذكّر الجميع المثل العربي الشهير عن البحر والجمل، وفهموا أن للجمال ذاكرة لا تخون، تترصد، تراقب، وتنتقم حين تشاء، الناقة لم تكن مجرد كائن أليف فقد صغيره، بل كانت رمزا لصبر ينفد وغضب إذا خرج لا يهدأ، تختبئ مشاعرها تحت ملامح الصمت، لكنها لا تنسى ولا تغفر
هذه الحكاية تظل شاهدا على أن في أعماق الصحراء حكايات لا تصدق، أبطالها ليسوا دوما من البشر، بل من كائنات عرفتها الأرض بالحكمة والصبر، لكنها إن شعرت بالخيانة، صارت لها قصة من نار تنتقل من جيل إلى جيل



