الزبارة: شاهد حي على تاريخ التجارة واللؤلؤ في الخليج
أسماء صبحي – يقع موقع الزبارة الأثري على الساحل الشمالي الغربي لدولة قطر. ويعد واحدًا من أبرز المعالم التاريخية في منطقة الخليج العربي. وكانت المدينة القديمة التي تأسست في منتصف القرن الثامن عشر مركزًا تجاريًا مهمًا خاصة في تجارة اللؤلؤ. وربطت الجزيرة العربية بموانئ بحر العرب والمحيط الهندي. وعلى مدى خمسين عامًا، ازدهرت الزبارة لتصبح محط أنظار القوى الإقليمية، وأحد أبرز المراكز التجارية في الخليج قبل عصر النفط.
نشأة الزبارة والازدهار
تأسست المدينة على يد تجار من قبيلة الأتب القادمة من الكويت واختاروا موقعها الاستراتيجي قرب الساحل لممارسة تجارة اللؤلؤ والصيد. وازدهرت المدينة بسرعة بسبب موقعها الذي سهّل التبادل التجاري مع مناطق متعددة. وأصبحت معروفة بأسواقها المتنوعة ومبانيها السكنية المتكاملة التي تعكس التنظيم العمراني الدقيق للمدينة في تلك الفترة.
التحصين والهندسة العمرانية
تميّزت المدينة بأسوارها الدفاعية المزدوجة، الميناء الذي كانت ترسو فيه السفن والمساجد والمنازل التي نُفذت وفق مخططات مدروسة. ورغم الهجمات التي تعرضت لها المدينة في عام 1811، والتي أدت إلى تدمير جزء كبير من المباني، ساهمت الطبيعة الصحراوية المحيطة في الحفاظ على بقايا المدينة لفترة طويلة. مما منح الباحثين والآثاريين فرصة دراسة تخطيطها العمراني الفريد.
الأهمية الأثرية والثقافية
اليوم، يغطي الموقع نحو 60 هكتارًا ويضم بقايا مبانٍ سكنية، حصونًا، مساجدًا، أسواقًا وميناءً. ويعتبر الموقع شهادة حية على الحياة الاقتصادية والاجتماعية في الخليج خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. ويتيح للباحثين فهم العلاقة بين الإنسان والبيئة البحرية والصحراء، وكيف ساهمت هذه البيئة في تطوير التجارة والاقتصاد المحلي.
وقال الدكتور محمد سعيد البلوشي، خبير التراث القطري: “الزبارة ليست مجرد أطلال، بل نموذج حي لتفاعل الإنسان مع بيئتي البحر والصحراء في الخليج. وما نجده من آثار تجارية وغواصين اللؤلؤ يمنحنا فهماً أعمق لانطلاق المجتمعات الخليجية نحو التحول العصري”.
التحديات والحفاظ على الموقع
رغم الاعتراف الدولي بوضع المدينة كموقع تراثي عالمي، إلا أن المكان يواجه تحديات عديدة مثل التآكل بفعل الرياح والرمال. وضرورة إجراء ترميم علمي مدروس بعيدا عن أي تدخل عشوائي. كما يتطلب الموقع إدارة ذكية للزوار تضمن سلامة الموقع والحفاظ على طابعه الصحراوي النائي.
الجانب السياحي والفرص المستقبلية
المدينة اليوم متاحة للزوار من خلال مدينة شمال قطر، ويحتوي الموقع على حصن الزبارة الذي أصبح متحفًا يعرض بعض القطع الأثرية. ومع تزايد الوعي الثقافي وتطوير البنية التحتية للسياحة في قطر تمثل الزبارة نقطة جذب مهمة لتعزيز سياحة التراث والتاريخ في الدولة. وتوفير تجربة تعليمية وثقافية فريدة للزوار من مختلف أنحاء العالم.
من خلال تاريخها، تظهر الزبارة كموقع أثري غني يعكس التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي شهدتها منطقة الخليج. ويمنح الباحثين والسياح نافذة على الماضي التجاري والثقافي لهذه المنطقة الحيوية قبل اكتشاف النفط وتشكيل الدول الحديثة.



