“أون” جامعة الحضارات الأولى وشاهد مصر على ريادة العلم

عندما كانت الحضارات تخطو أولى خطواتها، كان المصري القديم قد أسس صرحاً علمياً عظيماً وضع فيه أسس المعرفة وأقام مؤسسات أطلق عليها “بيت الحياة”، وعلى أرض عين شمس، قامت جامعة “أون” الفرعونية، التي تعد أول جامعة في التاريخ، حيث برع كهنتها وعلماؤها في مختلف العلوم، وتوافد إليها طلاب من شتى البقاع، من بينهم طاليس أحد الحكماء السبعة لليونان، وأفلاطون الفيلسوف الأشهر.
تاريخ جامعة أون
لم تكن “أون” مجرد مدينة، بل مركزاً دينياً وعلمياً ارتبط بعبادة الشمس، حيث وُضعت فيها أول ديانة تشرح نشأة الكون، كما أسست أقدم تقويم شمسي، تعود أصولها إلى ما قبل الأسرات، وكان يُعتقد أنها العاصمة الأولى لمصر الموحدة، موقعها المتميز في رأس الدلتا جعلها عاصمة الإقليم الثالث عشر بمصر السفلى، الذي حمل اسم “الحاكم العادل”، وظهر ذكرها في نقوش مقصورة الملك سنوسرت الأول في معابد الكرنك.
حملت المدينة أسماء عديدة عبر العصور، حيث عُرفت في مصر القديمة باسم “أون” بمعنى “العمود المقدس”، بينما أطلق عليها الإغريق اسم “هليوبوليس” أي “مدينة الشمس”، وعُرفت في العصور الإسلامية باسم “عين شمس”، كانت المدينة معبداً للإله “أتوم”، الخالق الأزلي، الذي صُور بتاج مزدوج ولحية، ورافقته زوجته “أيوس عاس”، التي ظهرت برأس مزين بجعران وحملت لقب “سيدة أون”.
في رحاب “أون”، ازدهرت جامعة استقطبت الدارسين من مختلف البقاع، وتنوعت مناهجها بين الفلسفة، الفلك، الطب، التاريخ، والدين، كان كبير كهنتها يُلقب بـ”كبير الرائين”، وهو منصب علمي بارز، كما درس في هذه الجامعة أمراء ونبلاء، مثل إخناتون “أمنحوتب الرابع” ابن أمنحوتب الثالث، الذين تهيأوا من خلالها لتولي أرفع المناصب.
استقى المؤرخ المصري “مانيتون” في القرن الثالث قبل الميلاد معلوماته من أرشيف معابد “أون”، المعروف باسم “برعنخ” أو “بيت الحياة”، كما زارها العديد من الفلاسفة والمؤرخين الإغريق والرومان، مثل هيرودوت، أفلاطون، استرابو، فيثاغورس، وسولون، ومرت بها العائلة المقدسة، وورد ذكرها في سفر إشعياء، وفي العصر الإسلامي كتب عنها المقريزي وعبد اللطيف البغدادي في عام 1190 ميلادية.
رغم قلة الآثار المكتشفة، لا تزال “أون” شاهداً عظيماً على ريادة مصر العلمية، وتستحق المزيد من الاهتمام والتنقيب لكشف أسرارها المخبأة، التي قد تضيف فصولاً جديدة إلى تاريخ مصر المجيد.



