حوارات و تقارير

هنا قلعة الجُندي.. مزار سياحي يخلّد العسكرية المصرية على مرّ التاريخ

قلعة الجُندي وعرفت أيضاً بقلعة “الباشا” ، تقع على تل صخري متسع يعرف بــ ” رأس الجندي” يصل ارتفاعهُ إلى 650 متراً تقريباً فوق سطح البحر ويرتفع نحو 155 متراً تقريباً فوق السهل المنبسط أعلى التل ، قيل سُميت بذلك لأنها تقع على تل صخري يشبه الجندي المقاتل، وتبعد عن مدينة رأس سدر شرقاً بنحو 80 كم في قلب الصحراء الجرداء ، وهي من أهم المزارات الأثرية السياحية المعروفة والتي تمثل موقعاً حربياً مشهوراً في عهد السلطان الناصر صلاح الدين الأيوبي والذي شيدها في عام 1183 ميلادية.

وتكشف القلعة عن مساحات واسعة حولها من جميع الاتجاهات والتي ارتبط بناؤها بوقائع وأحداث تاريخية في ذلك الوقت لحماية طريق الحجاج القديم إلى مكة المكرمة والذي كان يدعى بـدرب الشعوي والمتجه إلى جزيرة فرعون بمدينة طابا الحدودية ولصد الهجمات المحتملة من الصليبيين في عام 1183 م .

 

وفي رحلة استكشافية قصيرة وسريعة لي استغرقت نحو 5 ساعات من مدينة نِخِل شرقاً حتى قلعة رأس الجندي غرباً وذلك في عام 2009 م ، تمكنت من خلالها من معرفة الطرق المؤدية إلى القلعة، وتبين لي أنه لا يوجد طريق مباشر ممهد من الطريق الرئيسي الآتي من السويس أو نخل للوصول إلى القلعة مباشرة مما اضطرني للسير على الأقدام حوالي 3 كيلو مترات تقريباً إلى أن وصلت قرب سفح التل الذي يعتليه قلعة الجندي، ومن هنا بدأت الصعود إلى أعلى التل والذي استغرق نحو ساعة إلا ربعاً تقريباً حتى وصلت إلى أعلى التل حيث “قلعة الجندي” وهي تحتوي على خرائب وأطلال للقلعة وأغلبها متهدم ، والظاهر من هذه الأطلال أنها شُيدت بإتقان شديد والذي يدل على الفن التشكيلي والإبداعي الذي كان يستخدمه المهندسون المختصون في بناء القلعة في ذلك الوقت ، فضلاً عن اختيار المكان نفسه المقام أعلاه القلعة والذي يكشف عشرات الكيلومترات من جميع الاتجاهات.

وللقلعة باب كبير في الناحية الشمالية الغربية والمتجه نافذته نحو قناة السويس ، وفي جانب الباب حجر تاريخي مكسور نصفه بالإضافة إلى محو الركن السفلي الأيسر منه. ويحتوي الحجر على رمز دائري الشكل منقوش على الحجر وهذا شكله “دائرة منقوشة وفي منتصفها نقطة صغيرة حولها خمس نقاط دائرية أقل منها”، وهو الرمز الذي كان يستخدم دائماً في عهد السلطان صلاح الدين الأيوبي، قيل إنه كان يعتلي باب القلعة قبل هدمها ومنقوش عليه بعض الكلمات باللغة العربية، وهذا نصها: “بسم الله الرحمن الرحيم . وصلى الله على محمد . خلد الله ملك مولانا الملك الناصر صلاح الدنيا والدين سلطان الإسلام والمسلمين الملك يوسف بن …”أيوب” العادل الناصري في جمادي الآخرة سنة ثلاث وثمانين وخمسماية هـ” (أوغسطوس 1187 م) . والحجر المذكور محاط بأحجار صغيرة حوله كإشارة إلى أن هذا الحجر تاريخي وهو موجود داخل جدران القلعة إلى اليوم.

وبُنيت القلعة في عام 1187 ميلادية بحسب التاريخ المنقوش على البوابة الرئيسية للقلعة، وللقلعة مسجدان متجاوران أحدهما أطلال وهو المسجد الصغير وكله خراب ولم يتبق منه إلا أطلال محرابه، ويحتوي على حجارة مبعثرة بداخله منقوش عليها عبارات كثيرة، وهذا ما استطعت أن أحصل عليه منها وهو كالآتي : ” مما استعمله الملك الناصر صلاح الدنيا والدين الملك العادل سيف الدين . وتولى عمارته الأمير صلاح الدين عبد القادر (؟) وكان فراغه في ذي القعدة سنة ثمان وتسعين وخمسماية ” هـ (1201م) ، والمسجد الآخر “الكبير” مازال يحتوي على الجدران المحيطة بالمسجد والمصممة بإتقان بالغ ، وعلى باب المسجد حجر تاريخي كل كلماته ممحاة ولم يتبقَ منها إلا لفظ الجلالة “الله” ، الأمر الذي يؤكد أنه كان يحتوي على كلمات أخرى ربما غير مرغوبة للعصور التي أتت بعد عهد السلطان الأيوبي، ويحتوي المسجد على محراب لإقامة الشعائر وهو على شكل نصف دائرة يعتليها عقد نصف دائري مرتكزاً على عمودين صغيرين منقوش عليه جملة بالخط الكوفي ممحاة الكثير منها ، ولم يتبقَ منها إلا هذا النص : “بسم الله الرحمن الرحيم ، اللهم صلّ على محمد”.

ويحتوي المسجد على نوافذ للتهوية وتبلغ مساحته نحو 80 متراً مربعاً تقريباً ، وأسفل المسجد يوجد صهريج ماء كبير يشبه الصهاريج الموجودة في قلعة جزيرة فرعون بمدينة طابا والتي سبق ذكرها في تقارير آنفاً، ولهذا الصهريج بابان الأول من داخل المسجد والآخر من خارجه من الناحية الشرقية ويتم النزول إليه بسلّم ويجاور الباب حجر صخري قيل إنه كان سداً للصهريج منقوش عليه باللغة العربية، وهذا نص العبارة : “بسم الله الرحمن الرحيم . صلى الله على سيدنا محمد . خلّد الله ملك مولانا الناصر صلاح الدنيا والدين ملك الإسلام والمسلمين خليفة أمير المؤمنين . عمّر هذا الصهريج والجامع الملك علي بن محمد الناصري العادل المظفر …. الملك . وكان فراغه شهر شعبان سنة تسعين وخمسمائة هـ ” (1193م).

وقيل إن القلعة استغرق بناؤها 4 سنوات من 1183 إلى 1187 ميلادية من الأحجار الصخرية الجرانيتية والجيرية، وشملت فنوناً وزخارف فنية وإبداعية عكست الارتقاء الذي كان يعيشه المجتمع في تلك الفترة .

“عين سدر” وتبعد عن القلعة بنحو 3 كم، هي أقرب عين ماء للقلعة، قيل إن الجند كانوا يأتون بالمياه منها لاستخدامها للشرب والغسيل أيضاً، ومازال الماء يتدفق منها إلى الآن .

“سور القلعة”.. وللقلعة أسوار عالية مبنية من الأحجار الصخرية الجرانيتية المحيطة غير منتظمة الحجم، مستخدمين الطفلة الناجمة عن السيول في عملية البناء والتي تتكون من عدة مستويات كل مستوى مخصص لغرض حربي ومدني معين على شكل مستطيل غير منتظم الأضلاع يبلغ طولها ما بين‏100‏ و‏150‏ متراً وعرضها ‏120‏ متراً محاطة بسور دفاعي عرضه متران وقد تم دعم أركانها كأفراد دفاعية، كما أن التل نفسه الذي تعتليه القلعة شديد الانحدار مما كان يصعب على الأعداء وقتها تسلقها أو مهاجمتها‏ ، كما أنها محاطة بخندق يبلغ ارتفاعه من ‏5‏ إلى 6‏ أمتار مما يزيد من مناعتها.

 

قيمة تاريخية وثقافية

قيل إن جنود القلعة قاموا بإنشاء سد بوادٍ عميق قريب من القلعة لحجز مياه السيول والاستفادة منها وأن المجلس الأعلى للآثار قام بأعمال حفائر منذ تسجيلها إسلامياً عام‏1989‏ ميلادية، وجارِ عمليات التطوير‏، ويقول الأثري المعروف الدكتور”عبد الرحيم ريحان” إن القلعة تمثل قيمة تاريخية وثقافية مهمة يجب أن ينظر إليها المستثمرون بعين الجدّية‏، وجميع الوسائل اللازمة لراحة الوافدين إليها من رواد السياحة الثقافية‏،‏ وذلك بتعاون المستثمرين مع جميع الجهات المعنية بذلك استعداداً للبدء في استقبال الأفواج السياحية‏.‏

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى