الكسكس.. طبق قبلي يوحد موائد المغرب العربي
أسماء صبحي – الكسكس أو كما يسمى محلياً “سكسو” ليس مجرد أكلة مشهورة في المغرب العربي. بل رمز ثقافي ارتبط بالقبائل الأمازيغية والعربية منذ مئات السنين. فهو طبق جماعي يطهى عادة يوم الجمعة والأعياد والمناسبات الكبرى ليجمع العائلة والأقارب حول مائدة واحدة. حيث يتحول الطعام إلى فعل اجتماعي وروحي يعكس قيم التماسك والضيافة.
جذور طبق الكسكس
تشير المصادر التاريخية إلى أن سكسو ظهر أول مرة بين القبائل الأمازيغية في شمال إفريقيا منذ أكثر من ألف عام. ثم انتقل إلى باقي مناطق المغرب العربي بفعل التبادل التجاري والهجرات. ومع دخول القبائل العربية إلى المنطقة خلال الفتوحات الإسلامية أصبح طبقاً جامعاً بين الثقافتين العربية والأمازيغية. إذ أضيفت إليه البهارات واللحوم التي جلبها العرب من المشرق.
طريقة التحضير التقليدية
يحضر سكسو من حبيبات السميد التي تفرك بالأيدي وتُبخر على مراحل داخل “الكسكاس”. وهو إناء معدني مثقوب يُوضع فوق قدر يغلي فيه المرق. ويتكوّن المرق عادة من الخضروات الموسمية كالقرع والجزر واللفت إضافة إلى الحمص واللحم (غنم أو دجاج). وفي بعض المناطق الساحلية، يطهى الكسكس بالسمك بدلاً من اللحم.
الكسكس في الحياة القبلية
في القبائل الريفية، كان سكسو يقدم دائماً في صحن كبير يوضع في وسط الدائرة العائلية. حيث يأكل الجميع بأيديهم من نفس الطبق في مشهد يعكس التكافل والمساواة. ويعتبر إعداد الكسكس عملاً جماعياً إذ تشترك النساء في فرك حبات السميد. بينما يتولى الرجال ذبح الذبائح وتجهيز المرق في المناسبات الكبرى.
دلالات اجتماعية وروحية
لا يقتصر الطبق على كونه طعاماً يومياً بل له أبعاد رمزية عميقة. ففي طقوس الزواج مثلاً، يقدم طبق كسكس ضخم كإشارة إلى الخصوبة والبركة. أما في المآتم، فيعد كسكس بسيط بالخضروات والعدس للتعبير عن الزهد والتضامن مع أهل المتوفى. كما اعتادت بعض القبائل أن تضع جزءاً من الكسكس على عتبة المنزل ليلة عاشوراء طلباً للبركة.
وقال الدكتور محمد الحيحي، الباحث في التراث الغذائي المغربي، إن الكسكس ليس مجرد طبق، بل هو أرشيف حي لذاكرة المجتمعات القبلية. فكل مكون من مكوناته يحكي قصة عن البيئة، والمواسم الزراعية، وحتى المعتقدات الشعبية. ولذلك، تم إدراجه سنة 2020 ضمن قائمة التراث الثقافي غير المادي لليونسكو باعتباره رمزاً جامعاً لشعوب المغرب العربي.



