عائلة القوني في القاهرة: إرث علمي وديني ممتد منذ العهد العثماني
أسماء صبحي – تعد القاهرة نقطة التقاء العديد من العائلات العربية التي قدمت من الجزيرة العربية أو من مناطق مختلفة في المشرق العربي واستقرت فيها منذ مئات السنين. ومن بين هذه العائلات التي ارتبط اسمها بالعلم والدين ودار الإفتاء والقضاء. برزت عائلة القوني التي تعود أصولها إلى مدينة قونية في الأناضول. لكنها كانت تعد من العائلات العربية ذات المكانة في الأزهر الشريف وفي الوسط الديني في مصر بدءًا من العهد العثماني وحتى بدايات القرن العشرين.
أصول عائلة القوني
يرجع اسم القوني إلى مدينة قونية التركية. لكن أفراد العائلة الأوائل الذين قدموا إلى مصر كانوا من أصول عربية من الحجاز. استقروا لفترة في قونية كعلماء دين قبل أن يهاجروا إلى القاهرة مع توسع الدولة العثمانية. وقد تم تعريب الاسم لاحقًا وأصبح ينسب إلى القاهرة كعائلة أزهرية ذات شهرة واسعة في العلوم الشرعية.
ويقول الدكتور رمزي الباز، الباحث في التراث المصري وعضو الجمعية المصرية للتاريخ، إن عائلة القوني تمثل نموذجًا للعائلات العربية العلمية التي استقرت في مصر في العصر العثماني. واستطاعت أن تحافظ على مكانتها العلمية والدينية على مدى قرون. خاصة في الأزهر الشريف حيث خرج منها العديد من العلماء والقضاة.
دور العائلة في الأزهر الشريف
من أبرز ما ميز العائلة هو ارتباطها الوثيق بالأزهر الشريف. وقد تخرج من العائلة عدد كبير من كبار العلماء، من أبرزهم الشيخ عبد الرحمن القوني الذي كان أحد أعلام الفقه الحنفي في القرن التاسع عشر. وشغل منصب ناظر الوقف الحنفي في عهد الخديوي إسماعيل.
وقد عرف عن العائلة تمسكها بالمذهب الحنفي في الفقه. وكانت لهم زاوية خاصة في الجامع الأزهر تقام فيها دروس علم يومية وتسمى بـ”ركن القونية”.
المناصب القضائية والإدارية
بالإضافة إلى التعليم الديني، شغل عدد من أبناء العائلة مناصب قضائية في المحاكم الشرعية خاصة في حي الجمالية والأزهر. وكان من بينهم قضاة تولوا النظر في قضايا الأوقاف والميراث والنزاعات الفقهية.
كما عمل بعضهم في دواوين الحكومة في عهد محمد علي باشا. لا سيما في مصلحة الأوقاف وديوان المدارس، وهو ما ساعد في تثبيت مكانتهم الاجتماعية والاقتصادية في القاهرة.
حي “القونية” في القاهرة القديمة
استقر أفراد العائلة في البداية بمنطقة الأزهر، ثم امتد وجودهم إلى شارع المعز وقصبة رضوان. وهو ما يعرف اليوم بمنطقة “القونية” وهي منطقة صغيرة لا تزال تحمل الاسم وتقع في الجمالية خلف جامع الأزهر. وقد كان لهذا الحي طابع خاص إذ ضم العديد من طلاب العلم الوافدين الذين سكنوا إلى جوار أفراد العائلة وتعلموا على أيديهم.
ويقول الباحث الأثري أحمد طلعت عبد الجواد، في كتابه “العمارة الدينية في القاهرة العثمانية”، إن حي القونية كان من أبرز مراكز التعليم الديني غير الرسمي في الأزهر. وكان أهل القوني يفتحون بيوتهم للطلاب ويقيمون مجالس علمية مفتوحة داخل منازلهم. وهو ما جعل اسم العائلة مرادفًا للعلم والتقوى في وجدان سكان القاهرة القديمة.
أشهر أعلام عائلة القوني
- الشيخ عبد الرحمن القوني: فقيه حنفي شهير، وكان مرجعًا في قضايا الوقف. وله عدة مؤلفات مخطوطة محفوظة بدار الكتب المصرية.
- الشيخ مصطفى القوني: أستاذ في علوم البلاغة والمنطق. وكان من أوائل من أدخلوا الشرح العلمي لمتن “التلخيص” في الأزهر.
- الحاج حسن القوني: من كبار تجار الورق في القاهرة دعم طباعة الكتب الأزهرية في أواخر القرن التاسع عشر. كما ساهم في وقف مكتبة علمية داخل مسجد القوني الصغير.
الزوايا والمساجد المرتبطة بالعائلة
من أبرز المعالم الدينية التي ارتبطت بالعائلة:
- زاوية القوني: وهي زاوية صغيرة تقع خلف الجامع الأزهر، كانت مخصصة لإقامة دروس الحديث والفقه. وما زالت قائمة حتى اليوم وإن لم تعد تستخدم للنشاط الديني.
- مسجد القوني الصغير: وهو مسجد أثري بني في القرن التاسع عشر. وتم تجديده عام 1935 ويحتوي على ضريح أحد مشايخ العائلة.
تراجع النفوذ وبقاء الاسم
مع مطلع القرن العشرين، بدأت شهرة العائلة تتراجع تدريجيًا مع صعود تيارات أخرى من العلماء وانتقال النفوذ العلمي إلى عائلات أخرى. ومع ذلك، ظل اسم “القوني” حاضرًا في عدد من المؤلفات القديمة وفي سجلات المحاكم الشرعية.
ولا تزال بعض الوثائق المحفوظة في دار المحفوظات العمومية تشير إلى ممتلكات وأوقاف باسم أبناء العائلة. مما يدل على استمرار دورهم حتى عشرينات وثلاثينات القرن الماضي.



