أسرار الطنبورة والزار في البحرين..بين الفن والعلاج

لا تزال ذاكرة الأحياء القديمة في البحرين، مثل الفرجان والساحات، تحتفظ بالكثير من الفنون والعادات الشعبية التي كانت تمارس فيها، مثل الألعاب، الاحتفالات، الغناء، الرقص، وأحيانًا طقوس غريبة تتصل بعالم الروحانيات والزار وغيرها.
فنون البحرين والخليج
ومن أشهر هذه الأحياء القديمة في مدينة المحرق، يبرز فريج المري، الذي كان في القرن الماضي مركزًا مهمًّا للفرق الشعبية. فقد نشأت فيه العديد من الفرق والدور التي قدمت فنونًا بحرينية وخليجية أصيلة، وأسهمت في إثراء الساحة الفنية في المنطقة.
وكان هذا الفريج يضم نحو خمس دور شعبية رئيسية، إضافة إلى عدد من البيوت النسوية التي شاركت أيضًا في الأنشطة، وقد كان كل فنان أو فرقة معروفة في الخليج تمر من هنا، وتشارك جمهور هذا الفريج بفنونها، مما جعله وجهة محببة للجميع، خاصة في عطلات نهاية الأسبوع، وليالي الخميس المميزة.
ارتباط الطنبورة بالزار
كما يعتبر فن الطنبورة من أبرز الفنون التي تميزت بها المنطقة، خاصة لارتباطه الوثيق بحفلات الزار، إذ يجمع هذا الفن بين الغناء والموسيقى الأفريقية والرقص.
وقد عرف هذا الفن وانتشر في عدة دول خليجية مثل البحرين والسعودية والكويت وقطر والإمارات وسلطنة عمان.
ويرى البعض أن أصل هذا الفن يعود إلى الساحل الشرقي لقارة إفريقيا، كما أشار الرحالة كارستن نيبور في كتابه “رحلة إلى شبه الجزيرة العربية” إلى أن آلة الطنبورة كانت تستخدم من قبل اليونانيين القادمين إلى مصر من جزر الأرخبيل، وتعرف بالعربية باسم “الطنبورة”، ويُشارك في رقصاتها النساء إلى جانب الرجال.
آلة الطنبورة وأصولها
والجدير بالإشارة أن آلة الطنبورة تعتبر من أهم الآلات الموسيقية المصاحبة لهذا الفن، وهي آلة وترية قديمة تشبه القيثارة، وقد عرفت منذ القدم لدى المصريين.
وتتكون هذه الآلة من ثلاثة أجزاء رئيسية: الصندوق والرقبة والأوتار، وتتميز عن غيرها من الآلات الوترية بأن أوتارها تكون بشكل عمودي على الصندوق الصوتي.
وقد تطورت هذه الآلة على يد المصريين القدماء حتى كبر حجمها وزاد عدد أوتارها، ليصل ما بين تسعة إلى أربعة عشر وترًا.
طقوس الطنبورة
كان لفن الطنبورة في السابق دور علاجي؛ حيث كان يستخدم في معالجة المرضى من خلال الرقص والموسيقى، كما كان يعتقد أن له قدرة على إخراج الأرواح الشريرة من جسد المريض.
كما يعد من فروع فن الزار، وله طقوس خاصة تمارس داخل بيوت تعرف بـ”المكيد” أو “بيت العدة”، حيث توجد فيها الآلات الموسيقية بشكل دائم، إضافة إلى مستلزمات الطقوس من خشب عطري، وبخور، وأعشاب ذات رائحة زكية، وماء ورد، ومباخر، ويشرف على هذه الطقوس شخص يُدعى “راعي المكيد”.
وتختلف هذه الطقوس عن نظيرتها في شمال إفريقيا، وتعرف باسم التنبورة أو التنبور، وغالبًا ما يمارسها أشخاص من أصول إفريقية لما تتميز به من إيقاعات جميلة ومصاحبة لقرع الطبول.
فرق الطنبورة ومظاهرها في البحرين
يجلس عازف الطنبورة على الأرض واضعًا الآلة بين ساقيه بشكل عمودي، ثم يضع أصابع يده على الأوتار، ويستخدم ظلفًا من رجل الماعز بعد تنظيفه ليضرب الأوتار به، كما تستخدم هذه القطعة كريشة للعزف، وتتكون فرقة الطنبورة من قائد يطلق عليه اسم “البابا” إذا كان رجلًا، أو “الإلمامة” إذا كانت امرأة، وهما المسؤولان عن إدارة الفرقة.
كما يطلق على عازف الطنبورة أسماء متعددة مثل: السنجك، راتب الخيط، أو راتب المزيرة، وتكون مهمته العزف والغناء، أما من يرتدي “المنجور”، فهو يضع على خصره إزارًا مثبتًا فيه أظلاف الماعز (الحوافر)، ويتحرك به يمينًا ويسارًا لإصدار صوت الخشخشة المعروف.
وتستخدم أيضًا مجموعة من الطبول متساوية الحجم، وتؤدى رقصة جماعية خاصة، حيث يصطف فريقان متقابلان، يرفعون أرجلهم مرتين إلى الأمام ثم يعودون إلى الخلف، ويستمر هذا الإيقاع حتى نهاية الفقرة الفنية.
أشهر فرق الطنبورة في البحرين
من أشهر فرق الطنبورة في البحرين: فرقة خميس بن صقر، فرقة كافور، فرقة سالم بوعياش، فرقة عيال جمشير، فرقة فؤاد محمد، وفرقة حسن وإبراهيم أبناء عباس.
كما يذكر في فترة الستينات الفنان إبراهيم الحادي وأبناؤه الذين كانوا يعشقون حفلات الطنبورة التي كانت تقام داخل الفريج، وهناك أماكن معروفة بحفلات الزار مثل بيت أم عيد، وبيت الختال، حيث يقام حفل الزار عصر يوم الجمعة.
ومن أشهر النصوص الغنائية في الطنبورة التي أوردها بعض الباحثين:
“هي يا الله يا الله هي الله،
هي يا الله يا الله هي الله،
هي يا الله يا الله،
صلوا على النبي محمد،
محمد نبينا يا الله،
ساكن المدينة يا الله،
صلوا على النبي محمد”



