عادات و تقاليد

الجاهة في القبائل العربية.. وساطة الشرف وإعادة التوازن المجتمعي

أسماء صبحي – في ثقافة القبائل العربية، حيث تحترم القيم والعلاقات وتقدر الكلمة والنية. تبرز عادة “الجاهة” كواحدة من أبرز أدوات الوساطة الاجتماعية، التي تمثل عمقًا ثقافيًا في حل النزاعات، وطلب الصلح، أو السعي للزواج. وهي ليست مجرد تقليد شكلي، بل تعد آلية متكاملة لإدارة الخلافات وفق أعراف متعارف عليها، تحكمها قواعد الشرف والهيبة.

تمارس هذه العادة حتى يومنا هذا في كثير من الدول العربية. خاصةً في الأردن وفلسطين وبعض مناطق السعودية واليمن، وتحظى باحترام بالغ. إذ ينظر إليها باعتبارها امتدادًا لحكمة الأجداد في تحقيق التوازن المجتمعي خارج أطر القضاء الرسمي.

تعريف الجاهة

هي وفد من وجهاء وأعيان القبائل أو العائلة يوفد إلى طرف آخر لغاية اجتماعية محددة. مثل:

  • طلب الصلح بعد خلاف أو مشكلة كبيرة (مثل القتل أو الثأر).
  • طلب يد فتاة للزواج.
  • حل نزاع مالي أو أرضي بين قبيلتين أو عائلتين.
  • تقديم الاعتذار أو الجلوة العشائرية.

وتشكل هذه العادة من أشخاص ذوي سمعة طيبة ومكانة اجتماعية مرموقة. بحيث يكونون ضمانة معنوية للطرف الذي يمثلونه وتسهم مكانتهم في تسهيل القبول بطلبهم.

الجاهة في مناسبات الزواج

عند الخطبة، ترسل عائلة العريس “جاهة” تطلب يد الفتاة من أهلها. ويعد هذا من أهم مراحل الزواج التقليدي، وتقدم عادةً بعبارات تحفظ الكرامة، مثل: “جئناكم باسم الله، طالبين القربة والصهر، وإن شاء الله تكونوا لنا نعم الأهل والنسب”.

وغالبًا ما يقابلهم كبير العائلة الأخرى برد مدروس، يدل على قبول الجاهة واحترامًا لمكانتهم. مثل: “أهلاً وسهلاً بجاهتكم الكريمة، وعلى بركة الله يتم النصيب”.

ويعد هذا النوع من الجاهات مظهرًا راقيًا للوجاهة الاجتماعية. ويرسخ أهمية التشاور بين العائلات وطلب القبول بشكل يحفظ الهيبة للجميع.

الصلح وفض النزاعات

لكن الوجه الأهم والأكثر تعقيدًا للجاهة هو دورها في حل المشكلات القبلية. خصوصًا في حالات القتل أو الجروح أو الإساءات التي تهدد السلم الأهلي.

في هذه الحالة، تشكل جاهة كبيرة من شخصيات مرموقة من مختلف العشائر. ويتوجهون إلى بيت أهل الضحية حاملين “العطوة” أو “الصلح” وتبدأ مراسم التحكيم العشائري.

ويقول الباحث في علم الاجتماع العشائري الدكتور سفيان التميمي، إن الجاهة ليست أداة ضغط، بل هي وعاء للقيم. يجسد الاحترام ويضمن أن يتم حل المشكلة بطريقة تحفظ كرامة الطرفين. وهذا ما جعلها صامدة في المجتمعات القبلية حتى مع وجود القضاء الحديث”.

العطوة والصلح

تتكون عملية الجاهة في حالات النزاع من عدة مراحل:

  • العطوة: وهي وثيقة مؤقتة تعطى للطرف المعتدى عليه من قبل الجاهة. وتتضمن اعترافًا بالخطأ والتزامًا بعدم الاعتداء.
  • الجاهة الكبرى: تأتي لاحقًا لإتمام الصلح النهائي بعد فترة هدوء.
  • الدية أو التعويض: تتفاوض الجاهة حول القيمة المالية أو الرمزية للتعويض عن الضرر.
  • المشايخة والتحكيم: يختار شيوخ معروفون بالفصل بين الناس لوضع الأحكام.

رمزية الجاهة

يحمل أعضاء الجاهة دائمًا لباسًا تقليديًا يدل على الوقار. وغالبًا ما يكون الزي الوطني أو الثوب العربي مع الشماغ والعقال. ويظهر المتحدث باسم الجاهة لباقة كبيرة في اختيار الكلمات، مستندًا إلى أمثال وقصائد وأحكام مأثورة بما يليق بمجلس “فض الخلاف”.

وتستهل الجاهة غالبًا بآيات قرآنية أو أبيات شعرية مثل: “إحنا جايينكم نطلب رضاكم، وما منطلب إلا الستر والعفو”. ويجيب الطرف الآخر بكلمات تعبر عن الكرم أو يطلب وقتًا للتشاور مع أبناء عشيرته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى