تاريخ ومزارات

الهون.. العاصفة التي هزت عرش روما

في قلب السهول السيبيرية والآسيوية الواسعة، حيث تصرخ الرياح الباردة وتعلو سنابك الخيول الجامحة، ظهر شعب لم يشهد التاريخ مثله من قبل، الهون كانوا كأنهم ظل يتقدم في الظلام، يطرق الأبواب دون إنذار، ويزرع الخوف في صدور كل من يقف في طريقه، تخيل جماعات تشبه محاربي الفايكنج، لكنهم جاءوا من الشرق البعيد، يحملون أقواسًا خاطفة وسيوفًا منحنية تلتمع تحت شمس آسيا الوسطى، لم يبحثوا عن بناء دول أو إقامة حضارة، بل انطلقوا خلف الغنائم والنفوذ، وصار اسم الهون لعنة تتردد في ليالي أوروبا الشتوية،و وصل بهم الأمر إلى تشويه جماجم أطفالهم لتبدو أطول وأشرس، وتحدثوا لغة غريبة من جذور سيبيرية قديمة لم يقدر الرومان على فهمها.

ما هي عاصفة الهون

كانت الإمبراطورية الرومانية التي شيدها القياصرة تتشقق ببطء، في عام 330 نقل قسطنطين الأول عاصمته من روما إلى مدينة جديدة حملت اسمه، القسطنطينية، لتزداد الفجوة بين الشرق القوي والغرب الضعيف، الغرب كان يتراجع مثل سفينة تضربها العواصف، بينما تتابعت موجات الشعوب التي لقبها الرومان بالبرابرة، القوط والوندال والإفرنج، كلهم يعبرون الراين والدانوب بحثًا عن ملجأ داخل الحدود الرومانية، لم يكن نزوحهم رغبة منهم، بل هروبًا من قوة أشد قسوة، قوة تدفع الجميع أمامها مثل سيل لا يتوقف، قوة الهون.

في عام 376 ظهرت قبيلة القوط أمام حدود الرومان، آلاف من المحاربين يرتجفون خوفًا، صرخوا بأن الهون قادمون وهم يروون قصص رعب عن رجال يطيلون جماجم أطفالهم ويتحدثون بلغة لا تشبه لغات البشر ويركبون خيولهم كأن الريح تحملهم، وافق الرومان على استقبالهم، لكن سوء المعاملة أشعل فتنة حقيقية، فثار القوط وفي عام 410 اقتحموا روما نفسها، يحرقون ويسلبون ويواصلون طريقهم، ومع ذلك لم يزول خوفهم، الهون كانوا يقتربون.

وصف المؤرخ أميانوس مارسيلينوس الهون بأنهم رجال يتحركون كالظلال، ينقسمون فجأة إلى مجموعات تضرب ثم تختفي، يطلقون سهامهم من ظهور الخيل ثم يتراجعون قبل أن يصل إليهم العدو، استخدموا الحبال لإسقاط خصومهم ثم يجهزون عليهم بسيوفهم كأنهم يقطعون قربانًا أتقنوا حرب المباغتة، وضربوا المدن بأبراج خشبية ضخمة ورأس الكبش الذي يهز الجدران كأنه زلزال، وفي عام 395 شنوا غارات على البلقان، أحرقوا القرى وسيطروا على الحدود الشرقية، ثم استقروا في سهول المجر الحالية، وأقاموا إمبراطورية تمتد من البلطيق إلى البحر الأسود، لكنها كانت قائمة على قوة قائد واحد، اتيلا.

ولد اتيلا نحو عام 406 لأسرة ملكية، وتقاسم الحكم مع أخيه بليدا في 434، وفي عام 445 مات بليدا فجأة، وهمس التاريخ بأن اتيلا ربما فتح له الطريق بقوة السيف ليحكم وحده، و كان اتيلا ذكيًا، لا يبحث عن حروب طويلة بل يفضل الذهب، كان شعاره ادفعوا الذهب او تواجهون النار، دفع الإمبراطور البيزنطي ثيودوسيوس الثاني ثلاثمئة وخمسين رطلًا من الذهب سنويًا ثم زادت إلى سبعمئة، وفي عام 447 رفض الإمبراطور الدفع فغزا اتيلا البلقان وأحرق المدن واحدة تلو الأخرى حتى اضطر ثيودوسيوس إلى الخضوع ودفع ألفين ومئة رطل من الذهب كل عام، مبلغ كاد يشل خزائن الشرق.

بعد أن اطمأن اتيلا من جهة الشرق توجه إلى الغرب، في عام 450 كتبت هونوريا شقيقة الإمبراطور الغربي رسالة سرية إليه طلبت فيها النجدة بعد أن أجبرها أخوها على زواج لا تريده، وأرسلت خاتمها مع الرسالة، فاعتبر اتيلا نفسه الزوج وطالب بنصف الإمبراطورية مهرًا، ثم انطلق نحو الغرب، نهب ميلانو وأكويليا وهدد روما، لكن الجنرال الروماني أيتيوس جمع جيشًا ضخمًا من القوط والإفرنج والساكسون وتمكن من إيقافه في سهول شالون بفرنسا في معركة كاتالونيا عام 451، وسقط فيها آلاف المحاربين، حتى قيل إنها التهمت مئة وخمسة وستين ألفًا من الطرفين، تراجع اتيلا لكنه لم يسقط، فعاد إلى إيطاليا في 452 حتى أوقفته المجاعة والأمراض، وتدخل البابا ليو ودفع الرومان الذهب لينسحب.

كانت النهاية غير متوقعة، ففي ليلة زفافه عام 453 على أميرة جرمانية مات اتيلا بنزيف داخلي بعد سهرة طويلة، ومع غيابه انهارت إمبراطوريته سريعًا، تنازع أبناؤه الحكم، وتمردت القبائل، وتمكن القوط وحلفاؤهم من إسقاط قوة الهون في معارك متتابعة، تشتت شعب الهون واختفى من التاريخ كما ظهر، كأن الريح ابتلعته، لكن أثره بقي، فهو الذي دفع الشعوب نحو الغرب، وأجبر روما على الركوع، وفتح الباب لعصر جديد سيعرف لاحقًا باسم العصور الوسطى، كانوا عاصفة مرت فوق أوروبا، لكنها غيرت شكل التاريخ إلى الأبد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى