هروب نابليون من مصر.. الليلة التي غيرت وجه التاريخ

في ليلة حالكة السواد يوم الثالث والعشرين من أغسطس عام 1799 تسلل نابليون بونابرت بخطوات حذرة في شوارع الإسكندرية المظلمة، كان يحمل في داخله طموحًا عارمًا نحو السلطة ويخفي خطته كما يخفي الليل أسراره عند الشاطئ انتظرته سفينتان فرنسيتان هما لاموبرون ولاكاريير، ساكنتان في الضباب كالأشباح، لا يعلم بأمرهما إلا قلة قليلة من رجاله المقربين.
كي يضلل الحامية الفرنسية في المدينة أطلق نابليون خيوله لتثير الفوضى وتثير الخوف في نفوس الجنود الذين اعتقدوا أن عدوًا هاجمهم، بينما كان الارتباك يعم المكان، انسحب نابليون مع ما يقارب خمسمئة رجل بينهم العالمان مونج وبيرثوليه والرسام دينون والقادة بيرثييه ومورات، ولإخفاء وجهته اختلق رواية عن رحلة إلى دلتا النيل، لكنه في الحقيقة كان يسعى للعودة إلى فرنسا ليمهد طريقه نحو العرش.
أصدر نابليون أوامره لسفنه بأن تبحر بمحاذاة الساحل الأفريقي بهدوء، متفاديًا أسطول البريطانيين الذي كان يراقب البحر عن كثب خطته كانت بسيطة لكنها ماكرة، فإذا اعترضت السفن البريطانية طريقه يتجه نحو تونس أو وهران، في صمت ثقيل تحركت السفن تحت سماء بلا قمر، تحمل معها أحلام رجل يسعى للهيمنة وأفكاره التي تشبه تحريك قطع الشطرنج بخبث وحذر.
لم يشارك نابليون خطته حتى مع نائبه الجنرال كليبر، وحين انكشف أمر رحيله أصابت الصدمة القاهرة والجيش الفرنسي على حد سواء الجنود شعروا بالخيانة والمصريون ازدادت شكوكهم، أما القيادة فقد تُركت في يد كليبر الذي اغتاله الطالب السوري سليمان الحلبي في يونيو 1800، وبعد سلسلة من الهزائم استسلم الجيش الفرنسي عام 1801 أمام قوات البريطانيين والعثمانيين، لتسدل الستارة على الحملة الفرنسية في مصر.
في تلك الليلة لم يترك نابليون مصر فحسب، بل بدأ رحلته الحقيقية نحو السلطة في أوروبا تحت ضوء النجوم الخافتة أبحر بعيدًا، تاركًا جيشًا مرهقًا ومستقبلًا غامضًا وراءه، كان هروبه مغامرة مدروسة وخدعة بارعة، شكلت بداية صعود قائد سيغير مسار التاريخ مهما كان الثمن.



