اللواء دكتور راضي عبدالمعطي يكتب: جبر الخواطر فن جميل من فنون الحياة
جبر الخواطر فنّ جميل من فنون الحياة، به نرسم بسمةً على وجهٍ موجوع، ونعطي بلسماً شافياً لنفسٍ مكسورة. فجابر الخواطر مثل المياه العذبة التي تروي تائهاً في الصحراء، والحضن الدافئ للمجروح. ومن أفضل الخصال وأرقى الأفعال جبر الخواطر ومراعاة المشاعر ومواساة المنكسر، فلا بد أن نكون عوناً وسنداً لبعضنا، ننصر المظلوم، ونواسي المكلوم، ونعطي المحروم.
جبر الخواطر هو الإحساس بآلام الناس وعدم جرح مشاعرهم، والوقوف بجانبهم في الشدائد. وهذا سلوك يعلو بفكر الإنسان ويسمو به. فالكلمة الطيبة ترفعنا إلى السماء كالطيور، والكلمة السيئة تدفننا في الأرض كالموتى. والناس دائماً لا تنسى من يجبر بخاطرها، ولا تسامح من يكسر بخاطرها؛ فمواقف الجبر ولحظات الانكسار لا تُنسى، ومواقف الخذلان والإهانة وقت الأزمات لا تُنسى، فكلاهما في الذاكرة والتاريخ.
فما أجمل أن تقصد الشراء من بائع متجول في حرّ الشمس يضطر للسير على قدميه بحثاً عن رزقه، مساعدةً له وجبراً لخاطره. وما أروع أن تقبل اعتذار المخطئ بحقنا، وخصوصاً عندما تعلم أن خطأه غير مقصود، وأن تاريخ صحبتنا معه طيب نقي؛ فالصفح عنه ومسامحته تطيب نفسه وتجبر خاطره. والبرّ بأرقى صورة أن تشتري لوالديك ما يحتاجون، وتفاجئهم بما يفقدون دون طلبٍ منهم أو سؤال، بل كرماً منك.
.
كما لا ننسى صاحب الحاجة والمسكين الذي انكسر قلبه، وذلّت نفسه، وضاق صدره. وما أجمل أن نجعل له من مالنا نصيباً، ومن طعامنا ولو الشيء القليل، ومن دعائنا ما نستطيع؛ فبذلك نجبر كسرهم ونطيب قلوبهم. وفي هذا الزمان نحن حالياً في أشدّ الحاجة إلى مواساة الناس والتخفيف عنهم وتطييب خاطرهم، لأن أصحاب القلوب المنكسرة كثيرون نظراً لقسوة الظروف الاقتصادية والمعيشية حالياً، وفساد ذمم الناس، واختلاف نواياهم، وكثرة الهموم. وتطييب الخاطر لا يحتاج إلى كثير جهد ولا كبير طاقة؛ فربما يكفي البعض كلمة ذكر، أو دعاء، أو موعظة، وربما يحتاج الآخر إلى مساعدة، وينتظر البعض قضاء حاجة، ويكتفي البعض الآخر بابتسامة.
الإنسان في حياتنا يتعرض لظروف شديدة؛ فكم من حزين بحاجة إلى من يجبر بخاطره بكلمة حانية تضمد جراحات قلبه، وكم من مظلوم بأمسّ الحاجة إلى من يقف معه في مظلمته ويخفف عنه ألم الظلم والقهر الذي يقطع قلبه، وكم من مبتلى يتمنى أن يجد أخاً صادقاً يصبّره في بلائه ويقوّيه ويشد أزره، وكم من مهموم قد أثقلته الهموم ينتظر صديقاً يفتح له باب الأمل ويبشّره بقرب الفرج، وكم مريض قد هدّه المرض ينتظر زائراً يواسيه ويخفف عنه آلامه.
.
ومن جبر الخواطر أن تشكر من قدّم لك خدمة ولو كانت واجبة عليه؛ فيشكر الزوج زوجته، وتشكر الزوجة زوجها، ويشكر الوالدان أبناءهما، وأن تُثني على من بذل جهداً ولو لم يستطع إتقانه، وتمدح من قام به من جهد، ولا سيما إذا كنت مسؤولاً عنه، كالمدير حين يشكر موظفيه أو المسؤول حين يثني على المجتهدين من عماله؛ فإن هذا الثناء سيرفع همّتهم ويطيب نفوسهم.
اللهم سخّرنا وسخّر لنا ما يعيننا على جبر الخواطر في إطار من الودّ والحبّ والصدق والتسامح وصفاء النفس وسموّ الأخلاق. ومع تمنياتي أن يحمل هذا العام، وفي بداية شهر رمضان، كل ملامح جبر الخاطر، وأن يكون هذا منهج عمل لكل مؤسسات الدولة الرسمية وغير الرسمية، لنضع نموذجاً رائعاً ومتميزاً في فنّ وعبادة جبر الخاطر.
حفظ الله مصر، وحمى شعبها العظيم وقائدها الحكيم.



