المزيد

مدينة معان قلب القوافل وبوابة الإسلام الأولى خارج الجزيرة العربية

لطالما شكلت معان في جنوب الأردن مركز ثقل تجاري وحضاري فريدا، إذ نشأت مع قوافل الحجاج والتجار، وتوسطت طرق الحجاز واليمن والشام، لتصبح إحدى أهم مدن الحجيج والتجارة المتجهة إلى مكة المكرمة عبر العصور، حتى زمن الدولة العثمانية، وقد عزز هذا الدور الاستراتيجي بناء قلعة عثمانية فيها، إضافة إلى مرور سكة الحديد الحجازية التي ربطت إسطنبول بمكة المكرمة، فجعلت من معان محطة رئيسية على طريق الحج والتجارة.

تاريخ مدينة معان 

تميزت معان بمكانة دينية مبكرة، فهي أول مدينة دخلها الإسلام من خارج الجزيرة العربية، وكان أميرها الغساني في ذلك الزمن فروة بن عمرو الجذامي أول صحابي يعتنق الإسلام في بلاد الشام، ودفع حياته ثمنا لهذا الموقف حين قتله الرومان الذين بسطوا سيطرتهم على جنوب الأردن آنذاك، ليكون استشهاده أحد الأسباب المباشرة لمعركة مؤتة، التي شكلت أول مواجهة عسكرية كبرى بين المسلمين والروم.

تعاقبت على معان حضارتان بارزتان، حضارة الأنباط العربية والحضارة الرومانية، وترك هذا التعاقب بصماته الواضحة في معالم المدينة، فقد انتشرت فيها البرك الرومانية، وأخاديد المياه المحفورة في الصخور، ما يعكس أهميتها كواحة نابضة بالحياة وسط الصحراء، وحملت اسمها معان دلالة على وفرة المياه، إذ كانت موطنا لعشرات عيون الماء التي منحتها القدرة على الاستمرار والازدهار عبر القرون.

ونظرا لمكانتها التجارية والسياسية، شيد العثمانيون في معان قلعة سرايا لتكون حلقة وصل بين الحجاز والشام، ونقطة حماية متقدمة لقوافل الحجاج والتجار القادمين من مصر والعراق وسوريا وفلسطين في طريقهم إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة، ومع مرور الزمن تحولت المدينة إلى مركز تجاري نشط للعرب في مختلف الفصول، وملتقى رئيسيا للحجيج القادمين من شتى الأقاليم.

ويؤكد مؤرخو المدينة أن القلعة التي بناها السلطان سليمان القانوني ما زالت تحافظ على طابعها المعماري بعد مرور ما يقارب خمسمئة عام على تشييدها، ولم تطلها سوى أعمال ترميم محدودة، وتبرز القناطر الهندسية العثمانية كأحد أبرز ملامحها المعمارية، شاهدة على حقبة ازدهار عمراني وسياسي امتد لقرون.

وإلى جوار القلعة، قامت محطة ضخمة للقطار الحجازي، عدها أهل الشام ثاني أكبر محطة بعد دمشق، حيث استقبلت الحجاج والتجار من مختلف البلدان، وكانت المدينة تعج بالحياة في مواسم الحج والتجارة منذ مطلع القرن الماضي، قبل أن تتحول السكة الحديدية مع الزمن إلى أطلال متآكلة بفعل الإهمال، بعدما كانت شريان حركة يربط معان بدمشق وسائر مدن الشام.

يروي كبار تجار معان أن المدينة كانت غنية بالمياه، وأن الحجاج اعتادوا التوقف فيها للراحة يومين كاملين قبل مواصلة رحلتهم الشاقة إلى الديار الحجازية، وهي رحلة كانت تستغرق نحو أربعة أشهر قبل إنشاء القطار الحديدي ومع ظهور القطار، اختصرت المسافات، وأصبحت الرحلة إلى دمشق لا تستغرق سوى يوم واحد، الأمر الذي أسهم في انتعاش الحركة التجارية، وجعل من معان مركزا حيويا يربط بين مكة ودمشق ويمتد أثره إلى اليمن.

وتشهد المدينة اليوم محاولات جادة لإحياء إرثها التاريخي، عبر خطط تهدف إلى تحويل القلعة العثمانية إلى متحف تراثي يوثق تاريخ معان من عصور الكنعانيين وحتى العصر الحديث، انطلاقا من دورها السياسي ومكانتها التي ارتبطت بتأسيس الدولة الأردنية منذ عهد الملك عبد الله الأول مطلع القرن الماضي.

ورغم هذه الجهود، يرى عدد من أبناء معان أنها جاءت متأخرة، ويطالبون بإدراج المدينة على خارطة السياحة العالمية وربطها بمسار البتراء ووادي رم، أملا في أن تسهم هذه الخطوة في إنعاش الاقتصاد المحلي، والحد من معدلات البطالة والفقر، وإعادة معان إلى مكانتها التي استحقتها عبر التاريخ كمدينة قوافل وحج وتجارة وحضارة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى