فنون و ادب

اعرف قصة مَثل “تجري الرياح بما لا تشتهي السفن”.. جزء من قصيدة رائعة لشاعر كبير من شعراء العرب

دعاء رحيل
يحفظ الكثير مننا عبارة قصة تجري الرياح بما لا تشتهي السفن، لكن معظمنا لا يعرف من قائلها ولا يعرف القصص التي اقترنت معانيها بها، وقليلون من يعرفون أن هذه الكلمات هي جزء من قصيدة رائعة لشاعر من كبار الشعراء العرب، وفي هذا المقال سيقدم موقع المرجع معلومات عن هذه العبارة من خلال الحديث عن القصيدة التي تنتمي إليها، ثم التطرق إلى القصص التي اقترنت بمعناها مما تناقله الناس وتداولوه فيما بينهم،.
 

قصيدة المتنبي تجري الرياح

ترجع أصل عبارة تجري الرياح بما لا تشتهي السفن إلى واحدة من أجمل قصائد الدواوين العربية، وهي قصيدة للمتنبي الذي كان وما زال في مقدمة رموز الشعر العربي المجيدين والحكماء ممن نثروا أشعارهم فطارت إلى السماء وبقي الناس يهتدون بشعاعها كما النجوم التي تدل التائهين في الصحراء. وقد وردت عبارة تجري الرياح بما لا تشتهي السفن ضمن قصيدة طويلة مما جاء فيها:
 
 
ما كُلُّ ما يَتَمَنّى المَرءُ يُدرِكُهُ
تَجري الرِياحُ بِما لا تَشتَهي السُفُنُ
رَأَيتُكُم لا يَصونُ العِرضَ جارُكُمُ
وَلا يَدِرُّ عَلى مَرعاكُمُ اللَبَنُ
جَزاءُ كُلِّ قَريبٍ مِنكُمُ مَلَلٌ
وَحَظُّ كُلِّ مُحِبٍّ مِنكُمُ ضَغَنُ
وَتَغضَبونَ عَلى مَن نالَ رِفدَكُمُ
حَتّى يُعاقِبَهُ التَنغيصُ وَالمِنَنُ
فَغادَرَ الهَجرُ ما بَيني وَبَينَكُمُ
يَهماءَ تَكذِبُ فيها العَينُ وَالأُذُنُ
 
 

قصة تجري الرياح بما لا تشتهي السفن

كما ارتبطت هذه المقولة بقصص كثيرة في أذهان الناس، وربما تذكروها في كل مرة خالفت فيها مشيئة السماء أمانيهم، إلا أن أبا الطيب المتنبي كتب قصيدته بعد أن نقل خبر وفاته إلى بلاط سيف الدولة وتم نعيه مع أنه حي يرزق، فكتب قصيدته (بم التعلل) وأودعها معاني الفخر والعتاب والحكمة، وحين قال بيته الشهير (ما كل ما يتمنى المرء..) فقد رمى بذلك إلى كلمة القدر التي قد تخالف أمنيات البشر حيث رمز للأمنيات والمطامح بالسفينة كما رمز للقدر والواقع بالرياح التي قد تخالف اتجاهات السفن وتعطل حركتها، وفي قوله إشارة إلى أن بقاءه على القيد الحياة يخالف ما يتمناه أعداءه الذين لفقوا أكذوبة موته.
 

قصة أخرى عن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن

وعلى منوال معنى العبارة نسجت قصص عديدة وحيكت قصص تفضي إلى وقوف القدر ضد رغبة البشر في أوقات كثيرة مما فيه حكمة للناس وموعظة لمن يحسب أنه يمسك مقادير حياته جميعا، ومن القصص التي يمكن الاستفادة منها في هذا المعنى ستقدم السطور التالية قصتين مختلفتين عن الريح:
 
قصة أن الرياح لا تشتهي السفن
حكى أن شابا طموحا كان مقبلا على الحياة واثقا بنفسه، ولم يكن به أدنى شك من أنه سيكون ذا شأن مهم في الحياة، كان رياضيا ذا لياقة وأناقة وسيما رشيقا تحيط به المعجبات والعيون الحاسدات، وكان كثير التباهي بنفسه لا يفلت مناسبة دون أن يستعرض مهاراته ويباهي بمخططاته وأمجاده التي يراها وكأنها أقدار مقدرة، كان مترفا وحيدا لأبويه الذين وفرا له كل ما أراد لفرط حبهما، وذات مرة نشب حريق في منزل الشاب وأودى بحياة أبيه وسلبه وسامته وأعجزه عن الحركة كما السابق، فانهارت آماله وأحلامه دفعة واحدة، فصار الناس يقولون إن الرياح جرت عكس سفنه واختلفوا بين حزن وعظة وشماتة، ومرت الأيام وبدأ الشاب بالتعافي وهم في علاج حروق جسده وعادت عزيمته له، لكنه بعد ذلك لم يعزم على فعل أي شيء دون أن يقول في السر والعلن (إن شاء الله).
 
 
 

معنى عبارة تجري الرياح

كما أن المعنى الحقيقي لـ عبارة تجري الرياح بما لا تشتهي السفن هو أن اتجاه الريح أحيانا يكون معاكسا لمسار السفن والوجهة التي تعبر إليها، لكن هذا المعنى سطحي. يقصد به معنى أعمق، فليست السفينة بعينها هي المقصودة فالسفينة هي كل مراد يسعى إليه الإنسان وكل خطوة يخطوها وكل أمل يرجوه. أما الرياح فهي كل ما يمكن أن يحول دون تحقيق الأمنيات وبلوغ المآرب. لذلك على المرء أن يكون مستعدا لكل الظروف وأن يتوقع أي طارئ وأن لا يعتقد بحتمية أمر هو فاعله بل أن يربط حياته ومساعيه بمشيئة الله وتأييده وتوفيقه.
 

مثل الريح تجري فيما لا تريده السفن

ومن يدقق في مثل تجري الرياح بما لا تشتهي السفن يلاحظ أن هذه المقولة تجسد صراع الإنسان مع الحياة والصدمة التي تصيبه حين تأخذه الدنيا بعيدا عما تمناه. فهذا الأمر ينطبق على الكثير من الظروف والمشاكل التي تطرأ. فحين يتمنى الإنسان أن يدرس مجالا علميا ولا تسمح له الأقدار يرى أن الريح تعاكس سفنه، وحين يسعى لعمل ما ولا يحصل عليه تعاكس الريح سفنه، وحين يحب أحدا ولا يصل إليه تعصف الريح بسفنه. فهذه الصورة مثالا ينطبق على حيوات الناس ويتجدد بأشكال مختلفة وستبقى رياح القدر تجري بما لا تشتهيه السفن إلا أن يشاء الله فهو مالك الأمر وهو العلي القدير.
 
 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى