عادات و تقاليد

طقوس الصحراء المضيئة.. كيف يستقبل بدو سيناء شهر رمضان بين العادات والتقاليد الأصيلة؟

أسماء صبحي– مع اقتراب شهر رمضان من كل عام، تبدأ القبائل البدوية في شبه جزيرة سيناء استعداداتها الخاصة لاستقبال الشهر الكريم بطقوس تمتد جذورها لعشرات السنين. ولا يقتصر الأمر على تجهيز الطعام والشراب فقط، بل يشمل استعدادًا روحيًا واجتماعيًا يعكس طبيعة الحياة البدوية القائمة على التضامن والتكافل.

تبدأ هذه الاستعدادات قبل أيام من ثبوت رؤية الهلال، حيث يتم تنظيف البيوت والخيام وتجهيز أماكن استقبال الضيوف. مع توفير المؤن الأساسية من التمور والدقيق والسمن واللحوم التي تعد أساس المائدة الرمضانية في البيئة الصحراوية.

المجالس البدوية في شهر رمضان

تعد المجالس أو “الدواوين” البدوية أحد أهم مظاهر استقبال رمضان في سيناء. إذ يجتمع الرجال والشباب بعد صلاة التراويح لتبادل التهاني وتناول الشاي والقهوة العربية، وسط أجواء يغلب عليها الود والترابط القبلي.

في هذه المجالس تتلى القصص الدينية والسير الشعبية، ويتبادل كبار السن الحكايات عن رمضانات الماضي. بينما يحرص الجميع على ترسيخ قيم التسامح وصلة الرحم، التي تعد من أبرز سمات المجتمع البدوي.

موائد جماعية مفتوحة للجميع

من أبرز عادات بدو سيناء في رمضان إقامة موائد إفطار جماعية مفتوحة. حيث تعد الولائم الكبيرة أمام البيوت أو في ساحات القبيلة، ويدعى إليها القريب والغريب وعابر السبيل دون استثناء.

تعكس هذه العادة روح الكرم التي يتميز بها أهل الصحراء، إذ يعتبرون إكرام الضيف واجبًا أصيلًا ويتضاعف هذا الواجب في شهر رمضان. وغالبًا ما تضم المائدة أطباقًا تقليدية مثل الأرز باللحم، والمندي البدوي، وخبز الشراك، إلى جانب التمر واللبن.

مدفع الإفطار وصوت التكبير

في بعض مناطق سيناء، خاصة في مدن مثل العريش، ينتظر الأهالي صوت مدفع الإفطار أو الأذان الجماعي الذي يصدح من المساجد إيذانًا بموعد الإفطار. حيث تجتمع الأسر حول المائدة في أجواء يغلب عليها الهدوء والروحانية. وبعد الإفطار يتوجه الجميع إلى المساجد لأداء صلاتي العشاء والتراويح. ثم تبدأ الزيارات العائلية التي تستمر حتى وقت السحور.

السحور في الصحراء

يمتاز سحور بدو سيناء بالبساطة والاعتماد على الأطعمة التقليدية الخفيفة مثل الخبز البدوي والجبن واللبن والتمر. إلى جانب الشاي المغلي على الحطب، الذي يعد مشروبًا أساسيًا في الليالي الرمضانية.

وفي المناطق الجبلية مثل سانت كاترين، يحرص السكان على الاستيقاظ للسحور قبل الفجر بوقت كافي. حيث تسود أجواء من السكون والصفاء الروحي وسط طبيعة الصحراء الهادئة.

عادات التكافل ومساعدة المحتاجين

يشتهر بدو سيناء بروح التكافل الاجتماعي، وتظهر هذه الروح بوضوح خلال شهر رمضان. حيث تتعاون القبائل في مساعدة الأسر المحتاجة وتوفير الطعام والكساء لها، دون إعلان أو لفت الأنظار.

كما يتم جمع التبرعات بشكل جماعي لتجهيز موائد إفطار للفقراء وعابري الطريق. وهو تقليد راسخ يعكس قيم التضامن التي توارثتها الأجيال.

رمضان بين الأصالة والتطور

ورغم مظاهر التطور الحديثة التي وصلت إلى بعض مناطق سيناء، فإن الكثير من العادات الرمضانية الأصيلة ما زالت حاضرة بقوة. حيث يحرص الأهالي على الحفاظ على تقاليدهم المتوارثة التي تمنح الشهر الكريم طابعًا خاصًا يميز الحياة البدوية.

يبقى استقبال رمضان في سيناء تجربة فريدة تجمع بين روحانية الشهر وكرم الصحراء ودفء العلاقات الإنسانية. لتؤكد أن العادات الأصيلة ما زالت قادرة على الصمود أمام تغيرات الزمن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى