سمراء القمبري التي كسرت القيود وحملت روح الصحراء إلى العالم
حين ولدت حسنة حسينات التي ستعرف لاحقا باسم حسنة البشارية نسبة إلى منطقة بشار في الجنوب الغربي للجزائر عام 1950، كانت البلاد ترزح تحت الاحتلال الفرنسي، وكان مسقط رأسها منطقة استغلال قاس للإنسان والأرض، حيث الفحم والبشر في دائرة واحدة من القهر في ذلك المناخ تشكل وعي طفلة ستصبح لاحقا واحدة من أبرز رموز الفن الشعبي الجزائري وأكثرها فرادة.
تنحدر حسنة من أصول أفريقية قدم أجدادها إلى الجزائر منذ قرون، وحافظ الأحفاد على فنونهم وطقوسهم الروحية، وفي مقدمة هذه الفنون موسيقى الديوان أو القناوي، التي تمثل ذاكرة هذه الشريحة الأفريقية التي اعتنقت الإسلام وتشبعت بالعربية، ويعرف ممارسوها باسم البلاليين نسبة إلى الصحابي بلال بن رباح، ويقوم هذا الفن على إيقاع أفريقي عميق يمتزج بعبارات صوفية، وتعتمد موسيقاه على آلات مميزة أبرزها القمبري الوترية والقرقابو الإيقاعية.
جراح صنعت الإرادة
ورثت حسنة البشارية ذاكرة أجداد مستعبدين، وعاشت واقعا اجتماعيا صعبا في ظل الاحتلال، واضطرتها ظروفها الشخصية إلى العمل خادمة في البيوت وسط هذا الواقع وجدت في موسيقى الديوان متنفسا ووسيلة تعبير عن الذات وطريقا لإثبات الوجود، خاصة أن من يتصدر هذا الفن يحمل لقب المعلّم ويحظى بمكانة واحترام كبيرين داخل المجتمع.
كان والدها من أصحاب هذا المقام، فاستلهمت حضوره لتتجاوز تقاليد صارمة تحرم على المرأة الكلام فضلا عن الغناء، صنعت آلتها الأولى من مكنسة، وكأنها تعلن منذ البداية نيتها كنس كل ما يعترض طريقها، مع نهاية ستينيات القرن الماضي، شكلت مع صديقاتها فرقة نسائية، واقتحمت الأعراس والحفلات ومناسبات عودة الحجيج، وصمدت أمام حملات الرفض والتشويش، حتى إن خيمة عروضها تعرضت للرشق بالحجارة.
في وقت توقع فيه حراس التقاليد أن تتخلى عن الفن وتعود إلى العزلة، اقتنت قيثارة كهربائية وجهاز تكبير صوت، ونقلت حضورها من الأعراس فقط إلى قاعات عروض متخصصة، مؤكدة أن التراجع ليس خيارا.
طموح يتجاوز الموروث
قادها شغفها الفني إلى تعلم العزف على آلات غير مألوفة في فن الديوان مثل العود والهارمونيكا، فأضفت على تجربتها لمسة جديدة كشفت أن سمراء الديوان لا تتحدى مجتمعها فحسب، بل تعيد مساءلة أصول الفن نفسه سعت إلى تطويره وتحريره من الانغلاق، لتفتح له آفاقا أوسع دون أن تفقد روحه.
يرى عدد من الفنانين أن حسنة لم تفهم التحرر بوصفه قطيعة مع الجذور، بل انعتاقا من القيود حررت فنها بتغيير الكلمات والآلات والنوتات وطريقة العرض، حتى صار من الممكن الحديث عن مرحلة في تاريخ موسيقى الديوان قبلها ومرحلة بعدها، فالديوان الذي عبر به والدها عن ذاكرة الأجداد المستعبدين، تحول معها إلى صوت يعبر عن واقع الإنسان الأفريقي الجزائري وتطلعه إلى غد أفضل، وهو ما منح أغنيتها قدرة على الوصول إلى جمهور يتجاوز محيطها الاجتماعي.
بوابة الخروج إلى العالم
كان عام 1976 محطة حاسمة في مسيرتها، حين تلقت دعوة من اتحاد النساء الجزائريات لإحياء حفل في مدينة تاغيت، جوهرة السياحة الصحراوية، هناك لفت فنها أنظار سياح أجانب بينهم إعلاميون وسينمائيون، فبدأت ملامح الخروج من الشرنقة المحلية تتشكل.
على مدى ربع قرن لاحق، تذبذب حضورها بين ظهور إعلامي واختفاء قسري بسبب موجة العنف التي عرفتها الجزائر في التسعينيات، لكن التحول الكبير جاء عام 1999 عندما شاركت في حفل نساء الجزائر على خشبة مسرح الكاباري سوفاج في باريس إلى جانب فنانات بارزات، قدمت عرضا مختلفا بكل تفاصيله، غنت حافية القدمين بزي يجمع بين الإفريقي والجزائري، فتركت أثرا لا ينسى.
الانتشار والتكريس
بعد هذه الحفلة، فتحت أمامها الشاشات والإذاعات والصحف الغربية، وتولت إدارة أعمال تنظيم مسيرتها، فأسست فرقة تضم موسيقيين من الجزائر وفرنسا والبرازيل، أطلقت ألبومها الأول الجزائر جوهرة عام 2002، وجابت به أوروبا والأميركيتين والعالم العربي، وتعاونت مع أسماء فنية معروفة، ليصبح الألبوم تحية لوطن خرج لتوه من عشرية دامية.
كرست في ألبومها الثاني ذكرى شقيقها الذي تولى رعايتها بعد وفاة والدها، ثم عادت إلى الصحراء في ألبومها الثالث ألوان الصحراء، مؤكدة وفاءها للمكان الأول، ومثلما بدأت مسيرتها بالغناء المنفرد ثم العمل الجماعي ضمن فرقة نسائية، عادت قبل سنوات إلى الأداء الفردي، محافظة على فرادتها كامرأة حملت لقب معلمة في فن ظل حكرا على الرجال.
رحيل أيقونة
شكل رحيل حسنة البشارية في مسقط رأسها بشار صدمة لمحبيها داخل الجزائر وخارجها، امتلأت مواقع التواصل برسائل الوداع والشهادات التي استحضرت صوتا حمل عبق الصحراء إلى العالم، رأى فيها كثيرون أيقونة للتنوع الفني الجزائري، وفنانة لم تتوقف عن العطاء رغم متاعبها الصحية، وظلت حاضرة حيثما دعيت، تردد أغانيها مع جمهور واسع آمن بأن القمبري بين يديها لم يكن آلة موسيقية فقط، بل ذاكرة وهوية ورسالة حياة.



